يحدث في برِّ مصر باسم الفن :
الجامعة الأمريكية (تشطب) تاريخ فلسطين !
في مصر الآن كتاب في الفن طبع بإيطاليا ونشرته الجامعة الأمريكية في القاهرة يلغي تاريخ فلسطين! بل ويقدم تاريخ اسرائيل في 44 صفحة وتاريخ مصر في عشر صفحات! والكتاب يباع في المكتبات (المصرية) الكبرى ويروج كل الأكاذيب الممكنة والمستحيلة! فكيف بدأت القصة؟ إبحث عن ديفيد روبرتس! ذلك أنني أعشق اقتناء مجلدات أعمال هذا الفنان؛ ورغم أن الكثيرين يرون رسومه بمنظار اليوم، محاكاة صماء للواقع، إلا أنني أرى فيها ذلك الولع بالتفاصيل التي حفظت لنا ـ مع سواها ـ ذاكرة بصرية نادرة لمصر والشرق قبل 160 سنة، بل وذاكرة كتابية أيضا حين سجل يومياته عن الأماكن التي زارها في مصر والنوبة والشرق كله .
رسم روبرتس مداخل البيوت ومشربياتها، الميادين والقلاع، الأسواق والمقاهي، المدن والقرى، الطرق والممرات الجبلية الصعبة، المساجد والجوامع، المعابد الفرعونية في جنوب مصر والآثار الرومانية في الاسكندرية، دير سانت كاترين في سيناء والأماكن الدينية بالقدس، القوافل وهي تستريح، والشواطيء وهي تستقبل النهار الجديد، النيل ومقياس الروضة، الغوازي وكتبة الرسائل، المقابر والمسلات، وكان من الجرأة بحيث رسم أبا الهول عكس الشمس، في لوحة بهرت الروائي تشارلز ديكنز، فما كان من روبرتس إلا أن أنجز منها لوحة زيتية وأهداها إليه .
الرسام الزنديق
ويحكي الدكتور ثروت عكاشة في كتابه (مصر في عيون الغرباء من الرحالة والفنانين والأدباء) كيف هام روبرتس حبا بمساجد القاهرة فسعى إلى عباس باشا ليأذن له بالاختلاف إليها لتصويرها بعد أن حال بينه وبين ذلك خدم تلك المساجد إذ عدوه زنديقا كافرًا. فأذن له عباس باشا مشترطا عليه ألا تكون فرشاته من شعر الخنزير وجعل في صحبته جنديا انكشاريا يدفع عنه الجماهير التي تزحمه وتعترض سبيله وهو يصور. ولذلك كان يزهو بأنه أول فنان يرسم تلك المساجد من الداخل معترفا بأن ما يتكبده من عناء يهون أمام الجمال الباهر الذي انفرد بتصويره بعد أن حيل بين الأوروبيين وبين النفاذ إليها، ويقر بأنه لم يكن يضيق بمسلك المواطنين تجاهه أثناء أداء العمل، وخاصة بعد أن أخذ بنصيحة القنصل البريطاني فتزيا بالزي التركي وحف شاربه .
يقول روبرتس في رسالة إلى ابنته: إني إلى ما أجده في القاهرة من ضيق الشوارع وازدحامها واكتظاظ الأسواق بالإضافة إلى ما لدى الأهالي من فضول، أخشى أن تطأني الإبل بأثقالها فأتحول مومياء، فمشهد الإبل على ما فيه من جمال قد يكلفك حياتك. وكم وددت لو أنك معي ولو ساعة من زمان في سوق من هذه الأسواق ، ويالها من أسواق تختلط فيها الشعوب الشرقية جمعاء: من أتراك ويونان بثيابهم الغريبة ومن بدو أشتات في أزيائهم لم تظلهم أسقف أو تضمهم جدران، وهم على هذا جميعا مسلحون، ومن أخلاط متنافرة من المشردين المتسكعين ومن أرسال من النساء المحجبات يمتطين الحمير أو البغال يحرسهن عبيد يمشون في إثرهن سود وبيض وذكور وإناث. يالها من أسواق تتنوع عروض سلعها التي جمعت بين بضاعة الشرق والغرب، ثم ما أدراك بأصحاب الحوانيت في وقارهم وهم جامدون في أماكنهم لا ينزعون مباسم الشبوك من أفواههم ولا ينبسون بكلمة ولا يردون جواب سائل. ولا تظني أن التدخين في مصر قاصر على الرجال وحدهم بل إن النساء في مصر هن الأخريات يدخن في بيوتهن وإن كن لا يستخدمن النرجيلة الشائعة بين الرجال بل يستخدمن نرجيلان أخرى أغلى ثمنا. ولأتركك الآن على تلك الصورة في السوق لألقاك عند عودتي، وعندها ستعرفين الكثير عن القاهرة من يومياتي التي سجلتها تباعا وكذا سترين أجمل مجموعة من الرسوم التي صورت عن الشرق .
المهم أن هذه الرسوم تمثل سجلا نادرا لرحلة ديفيد روبرتس لمصر، ولجنوبها في بلاد النوبة حيث بدأ هذه الرحلة في العام 1837، ثم واصلها إلى الأراضي المقدسة بين عامي 1842 و1844، بدءا بدير سانت كاثرين في سيناء ومرورا بفلسطين وصولا إلى الشام، اتفق روبرتس مع ناشر (هو فرانسيس جراهام مور) على طباعة لوحات الليثوجراف المأخوذة من الرسوم التي أنجزها خلال تلك الرحلات وأن تصدر اللوحات في كتيب شهري على أن تجلد لاحقا في ستة أجزاء ظهر الأول منها في ابريل 1842 أي قبل 160 عامًا تمامًا. وبعدها بأربع سنوات في يناير 1846 ظهر الكتابان الألبومان، الأول يحمل اسم مصر والنوبة والثاني باسم الأرض المقدسة وبلغ مجموع لوحات الكتابين 248 لوحة .
ومنذ ذلك الحين ورسوم ديفيد روبرتس يعاد طبعها في أكثر من شكل: كتب، تقاويم، بطاقات بريدية، لوحات مستنسخة، وتستخدمه دور النشر باعتباره بضاعة رائجة، وهو ما جعل قسم النشر بالجامعة الأمريكية يقدم هذين الكتابين مرة بعد أخرى، وعندما اقتنيتهما (وقد أضيف إليهما في علبة واحدة كتيب السيرة الذاتية للفنان) هالني أن تتحول يوميات روبرترس التي نشرت في طبعات سابقة مرافقة للرسوم، إلى صياغة جديدة (تسوق) بها الجامعة الأمريكية اسرائيل ضمن كتب الفن، وبجانب كل لوحة مقتطف لروبرتس يدعم المقدمة التي تقول بأن اسرائيل كانت موجودة في ذهن روبرتس!! وقد علمت أن السفير الأمريكي حرص على اقتنائه !
وإذا سلمنا بأن مقدمة (مصر والنوبة) يمكن أن تكون عن تاريخ مصر، فهل من مؤرخ عادل أو فنان نزيه أو رجل دين عالم أو محترف سياسة رشيد أو حتى قاريء بسيط يقبل أن تكون مقدمة كتاب في الفن هو (الأرض المقدسة) ليوميات رسام بالريشة والقلم عن سيناء وفلسطين وسوريا والأردن ولبنان مجرد سرد (مبتدع) لتاريخ دولة اسرائيل؟
من هو ديفيد روبرتس
وقبل أن أنتقل إلى موضوعنا علينا أن نسجل براعة الفنان وامكاناته الباهرة؛ والدقة المتناهية، والحس العالي بالتكوين، والبراعة في الاحاطة بالمشاهد الطبيعية الضخمة، والذاكرة الضوئية التي تجعله أسرع من منافسيه لعدم اضطراره لإعادة النظر مرة بعد أخرى حين (يسجل) المشهد في ذاكرته. فمن هو ديفيد روبرتس؟
ديفيد روبرتس (1796 – 1864) رسام ورحالة اسكتلندي بدأ حياتا نقاشا للبيوت ثم رساما للمناظر المسرحية حين أصبح في 1819 رسام المشاهد الرسمي في المسرح الملكي بجلاسكو قبل أن ينتقل للوظيفى نفسها في المسرح الملكي بإدنبره، قبل أن يطوف بثلاثة أرباع الكرة الأرضية، ويرسم كل ما يقابله، لتطل اليوم لوحاته على العالم أجمع من خلال شبكة الانترنت. وإذا كانت شهرة روبرتس قد بدأت بتسجيله لمشاهد رحلته الأسبانية في العام 1830، مع زميله جون فريدريك لويس، إلا أن رحلته لمصر والشرق الأدنى كانت سبيله لشهرة لم ينلها رسام معاصر .
وأنقل لكم قصة طريفة حدثت للصبي روبرتس عندما كلف بأن يحمل ورقة بنكنوت من فئة الجنيه إلى أحد الأشخاص، لكنه حين لم يجد المرسل إليه، جلس ونقل ورقة البنكنوت بدقة متناهية جعل أمه تصرخ بأنها أنجبت لصا، قبل أن تكتشف موهبة الابن الذي لم يتلق تعليما فنيا، لكنه أصبح أشهر فناني العالم وأكثرهم تداولا .
بداية الرحلة
التقى روبرتس بحنفي إسماعيل أفندي بالقاهرة واتفق على أن يصحبه حتى تخوم أورشليم، ولكنه يلتقي خلال هذه الأيام برحالتين بريطانيين: جينز بيل وجون كينر فيقرر السفر معهما في فبراير 1839 إلى سيناء والبتراء وفلسطين. كانت البتراء قد أكتشفت منذ سنوات قليلة (1812) على يدي المستشرق السويسري يوهان لودفيج بيركاردت، ووصلها الجميع في السادس من مارس من العام نفسه، وقد ترك ترك روبرتس رفيقي سفره في مدينة غزة ليواصل رحلته إلى المدينة المقدسة، التي أراد زيارة كل أماكنها الدينية: من مسجد عمر، وحتى باب الشام، وسجل كل ذلك بالألوان المائية والزيتية ولوحات الليثوجراف .
وقد قام روبرتس خلال زيارته برحلة مع حاكمها حشمت أغا حين كان يرعى قافلة حجاج مسيحيين إلى نهر الأردن خلال عيد الفصح، وزار خلالها البحر الميت، وبيت لحم، وبحيرة طبرية. وبعدها ينطلق إلى بعلبك في لبنان قبل أن يصل بالميرا عائدا إلى بيروت حيث أبحر عائدا لوطنه في 13 مايو 1839 بعد غياب 11 شهرا وقد أنفق على نقل لوحاته بالحفر لألواح الليثوجراف مبلغا كبيرا 3 آلاف جنيه استرليني .
يبلغ عدد صفحات الكتاب الأول مصر والنوبةEgypt & Nubia 288 صفحة، خصص الناشر منها لتاريخ مصر عشر صفحات فقط (من صفحة 18 حتى صفحة 27) بينما يبلغ عدد صفحات الكتاب الثاني الأرض المقدسة The Holy Land 320 صفحة خصص الناشر منها لتاريخ (اسرائيل) 44 صفحة! فماذا كتب في المقدمتين؟
المصحف والسيف
تركز مقدمة الكتاب الأول على زيارة هيرودت إلى مصر كأول تأريخ حقيقي للبلاد، التي (سقطت من عليائها تحت حكم الفرس) كما تقول كلمات صاحب المقدمة. وكيف أن (كراهية قمبيز في العام 520 قبل الميلاد لشعب وادي النيل دفعته لتدمير كثير من آثار مصر) بل تستطرد المقدمة في ربط سجلات الاكتشافات الأثرية في مصر بشعب اسرائيل (ص 19 )
وأن تاريخ مصر المبكر بعد الغزو الفارسي بقيادة قمبيز (لم يكتب إلا بلسان أمم أخرى)! وأن مصر بعد (أن أصبح المقدونيون أسيادها، وحين حكمها قيصر كانت مجرد مقاطعة بعيدة تمثل على الأغلب ساحة للصراع من أجل الاستقلال أو مسرحا لتحالف القوى للفوز بأرضها وحكومتها)! وأن المسيحية (لم تنجُ إلا على يد نفر من الأقباط بقوا أحياء جنوب مدينة إسنا) لأن (خصومة وسلطة أتباع محمد (يقصد صاحب المقدمة هنا أتباع النبي صلى الله عليه وسلم) أخمدت نظرياتنا واقتلعت أساتذة ديننا (يقصد صاحب المقدمة هنا الدين المسيحي)!! صفحة 20). ولأنه حيثما حل شعار (المصحف والسيف بسلطته أصابت الدونية الجنس البشري وغرق المجتمع في مستنقع البربرية ولم تكن هناك أدنى فرصة لأن يسمو على بربريته.. (هكذا يقول صاحب المقدمة في تقديمه لتاريخ مصر صفحة 21)!! أما البلاد (تستكمل المقدمة في الصفحة ذاتها) التي خصها الله بجناته فقد أصبحت مجرد صحراء جرداء بعد أن أوقعها سوء طالعها في أيدي المسلمين أتباع محمد الذين أباحوا لأنفسهم لحكمة إلهية غامضة أن يصبوا جام فسادهم أينما حلوا في الأرض التي نشأ فيها ديننا وفي البلاد التي أعلنته وشرعته دينا رسميا لها !!
هل أتساءل عما يمكن أن تعنيه هذه الكلمات عن تاريخ مصر لكتاب يصدر في مصر ويوزع في مكتباتها العامة أم أن صدوره بالانجليزية يعني أن هذه (البضاعة) ليست لأهلها، وأن عليهم أن يباركوا ما تنشره الجامعة الأمريكية وأن يفرحوا بإصداراتها لأنها (عن مصر)، ولكن لم تنته المقدمة، والآتي أكثر مفاجأة !
أنه بالمقارنة بين المعابد المصرية واليونانية (صفحة 25) نجد الثانية ذات جمال أخاذ عكس الأولى التي تتخذ من الرسوم والأعمدة والطرق المحفوفة بتماثيل أبي الهول مجرد تكئة لزيادة الاثارة حول القداسة الممنوحة للآلهة!! وتختتم المقدمة بهذه الكلمات (صفحة 27): منذ عصر هيرودوت يتواصل التاريخ المكتوب عن مصر وصولا إلى حالها المزري اليوم المدموغ بالجهل بينما الأمم الأوروبية في أفضل عصورها التنويرية !
وإذا كانت هذه المقدمة تعود لمائة وستين عاما مضت (وهو ما لا يشار إلأيه في أي موضع) فلماذا وضعت كأنها مكتوبة اليوم؟ وإذا كانت المقدمتان وضعتا قبل 160 عاما فلماذا كان عنوان المقدمة الثانية : اسرائيل؟ وماذا كتب فيها؟
أول القصيدة
في الكتاب الثاني (صفحة 18) تبدأ المقدمة هكذا: تاريخ اليهود في العالم هو الأكثر تميزا والأفضل أهمية والسخي إبداعًا!! لأن الله وهب هؤلاء البشر وحدهم نعمة معرفة الخالق القهار والثقة في أن يحافظوا على تلك المعرفة خالية من أي إثم أو شائبة، فيما كانت الأرض ترزح تحت أغلال الوثنية!! (علامات التعجب دائما من عندنا ).
وأنه في العالم الوثني (كان الدين مجرد لفائف من العادات والتقاليد دون سلطة أو تأثير.. ولكن في النظام اليهودي كان الدين عماد الوجود الوطني والمحرك الرئيسي لآلة الدولة كلها، من وزرائها المتقلدين أعلى المناصب حتى عامة الشعب)!! هذه أول القصيدة !
وفي صفحة (19) تتجلى بلاغة صاحب المقدمة: في المعارك ننهزم أو ننتصر، وفي الغزوات نحصل على ما نريد، والجزاء الوطني في أعمق معانيه يرتبط بالثورات التي تميز أمل إسرائيل! وفي صفحة (20): بالنسبة إلى ابراهيم مؤسس هذا الجنس البشري، منحت نبوءته المسار حتى نال أسلافه حريتهم من مصر !!
وفي صفحة (24) وأصبح الاسرائيليون مستعدين للوصول إلى فلسطين من أقصر الطرق المباشرة فانطلقوا إلى البرية، لكن فعلا عصيانيا جعل رحلتهم تمتد إلى أربعين عاما، وحلت المعجزة، ففي قلب منطقة ليس فيها إلا الصخور والرمال، حيث لا تجد قبلائل العرب المترحلة الماء إلا نادرا، توثقت القبائل الاسرائيلية الاثتنا عشرة بقطعانها، واستبدل طعام مصر الذي لم يكن يأتي سوى بالعمل الكادح بطيبات تنزل من السماء !
وفي صفحة (27) إنه الشعب (اليهودي) الموهوب، المشرف، المكرم، الذي يجب أن يعلو على ما سواه وأنه إذا حدث له سوء يجب أن نشعر بالعار والأسى يكبل أيدينا وأن تتضع رؤوسنا حتى يغمرها التراب، متعجبين من ضعف البشر! أما في صفحة (44) علينا أن نركع للخالق الجبار الذي كان الدرع الواقي لآباءهم والذي نصرهم رغم ما عانوه من تيه، ولم ينس أبدا شعبه المختار: اسرائيل !!! وفي صفحة (57): سيخلد اليهود، وسيعودون من قبورهم، بطبيعة تناسب مسارهم الجديد الذي يصل بهم إلى أسمى درجات الوجود. وستنشأ مملكتهم. في أي شكل ستأتي وحدها الرغبة المتعطشة ستمنحها التعريف اللازم !
انتهت الجولة السريعة بين المقدمتين، اللتين تعيدان تخطيط تاريخ المنطقة وفق هوى خاص، وباسم ديفيد روبرتس يتم شطب تاريخ فلسطين، في كتاب يصدر في مصر. فمن المسئول؟
صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2003
|