سطوة لوبي الجوائز

سطوة لوبي الجوائز | مجلة الجديد |

شهادة لأشرف أبو اليزيد
[نُشر في 01/04/2016، العدد: 15، ص(59)]

image
إذا كان الكاتب ابن زمانه بيولوجيا، فإنه بالأحرى حفيد سلالة الأقدمين الذين لا يزالون يؤثرون فيه، رغم مرور سنين، آلافٍ أو مئاتٍ، بصلاتٍ بينهم وبينه، ويجري في عمود ثقافته الفقري سائلٌ هو مزيجٌ متشظٍ من العِرْق والدين والحضارة والنصوص المقدّسة والمرويّات والمدوّنات والأدبيات.
من هنا لا تبدو الكتابة الرّوائيّة منفصلة عن قراءة ذلك الماضي – التاريخ، وتحليله، واقتباسه، ومعالجته، أو تجاوزه. ولا نجافي الحقيقة حين نقول إن ساعة صفر الكتابة تبدأ حين نتأمل ذلك الماضي على نحو متجرّد كمصدر لتعاسة الحاضر وشقاء الحاضرين في المشهد الدّموي المعاصر، وما الاستبداد – السّياسي أو الدّيني ـ إلا زخرف تلك المأساة المتجددة، تزيّنه القوانين السماوية والأرضية، ولكنّ حوافّه كالنصال تذبح باسم تلك القوانين اللعوب أبناء الإنسان.

مساءلة الماضي وقراءته، يفضيان بنا إلى تدوين الحاضر سرديًا، أي صناعة لحقيقة روائية معادلة، ولا غرابة في أن تكون الرّواية العربية المعاصرة هي ديوان المظالم الأكبر، كمًّا وكيفًا، وهي بالمثل شكوى الرّوائيّ الفصيح الذي فلح أرض الماضي كاشفًا عن منابع أنهار الدّماء، ومصادر غرس وريّ الاستبداد، ذلك الماضي الذي يمثل فرن الغاز العملاق الذي لم يترك روحًا معاصرة إلا وعذّبها.

لكن قراءة الماضي ومساءلته، وتدوين الحاضر وتوثيقه، دون دور لاحق للروائي الكاتب، يعني أن دائرة التدوين منبتة الصلة بدورة الحياة، ذلك أن القوة الفاعلة للرواية لا تزال محدودة، طباعيًا وقرائيًا، ولا تظهر على السطح إلا روايات معدودات، بسطوة لوبي الجوائز حينًا، ونفوذ آليات الإشهار الصحفي أحيانًا أخرى، ومن هنا يبدو أن للرّوائي دورًا عضويًا يتخطى القراءة والكتابة إلى التأثير كفاعل.

أرى، مثالًا، أن امتنًاعا علنيًا جماعيًا للروائيين عن حضور مؤتمر تكرّسه حكومة ترعى الاستبدادين السّياسي والدّيني، أو مقاطعة قصدية لمطبوعة أو جائزة ينفق عليها دكتاتور فاسد، أرى أن ذلك من صميم الكتابة ما بعد الرّواية. فلا يحق ولا يصح لكاتب يغازل قيم الحرية والعدالة في رواياته أن يصافح قاتلها.

لقد رأينا كيف أنفق الطغاة في العقود الأخيرة من أجل إفساد المشهد الثقافي حين أعطوا مالهم وكرّسوا سلطته وأبواقهم لتسييد هؤلاء الذين داهنوا ووهنوا فأهانوا الكتابة، وأصبح مفهوم “مثقف السلطة” وكاتبها أكثر حضورًا وأهميةً وتـأثيرًا من مثقف التنوير وداعيته. ولم ينجح هؤلاء في حمايتنا من المصير العبثي الذي تعيشه منطقتنا العربية؛ الأمر الذي يجعلنا ندرك أن أوانًا للتغيير قد حان.

شارك بتعليقك