04.24Shamawes in Korean
شهدت مدينة استانبول بالأمس احتفالا عالميا بشاعر التتار القومي عبد الله طوقاي، بمناسبة ذكرى ميلاده 126، شاركت فيه وفود من 14 دولة.
الإحتفال الذي حضره آيرات صباح الدين، وزير الثقافة في تتارستان، إحدى جمهوريات روسيا الاتحادية، والقنصل الروسي في استانبول حبيلوف اسكندر، قدم فيه طلاب المدارس والجامعات أداء تمثيليا وقراءات شعرية بعدة لغات للشاعر عبد الله طوقاي (1886 ـ 1913م)، الذي تعتبر ذكرى ميلاده في الرابع والعشرين من أبريل كل عام عيدًا قوميا للأدب التتري.
وقال المترجم التتري إلدار عبدولين إن المشاركة العربية تمثلت في الترجمة التي قام بها الشاعر المصري أشرف أبو اليزيد لملحمة عبد الله طوقاي المعنونة (شورالي)، وقد قرأها علي القدوة أحد أبناء غزة، وواحد من أنبغ الطلاب الفلسطينيين المقيمين في استانبول.

بقلم: عبد الحكم العلامى
يرى النفسانيون أن الإحساس بالألم يزداد كلما ارتقينا فى سلم الكائنات، وبالتالى فهو أكثرها تألما، ويزداد إحساس الإنسان بالألم كلما صادف ما يحول دون تحققه كذات ترغب فى إتمام هذا التحقق.
والإنسان فى مواجهة أسئلة هذا الكون خاصة ما يتعلق منها بالغاية والمصير، يقف عاجزا أمام بحثه عن إجابات شافية لمثل هذه الأسئلة، وتدخل هذه الأسئلة مكامنها الفاتكة لدى الإنسان حينما تتعلق بمسئولياته الكبيرة تجاه هذا الكون، تلك المسئوليات التى تتعلق بحجم مشيئته وبالمساحة المتروكة له فى الإختيار، وحينما تتعلق هذه الأسئلة بذلك السؤال الكبير الذى يواجهه عند لحظة حاسمة فى حياته وهى لحظة الموت، فالإنسان – حسبما يرى الوجوديون – يموت وحده ولا يمكن لإنسان أيا ما كان أن ينيب عن غيره فى مواجهة هذه اللحظة المدمرة، والإنسان إزاء هذا كله وغيره الكثير يشعر بالوحدة والوحشة والفقد وذلك لأن :
الصحراء التى توزع الجبال
على مائدة السراب
كلاعب ورق محترف ،
ستهزمنا
ستهزمنا لا محالة ( قصيدة “الصحراء”)
وإذن ما الذى يمكن للواحد الوحيد أن يفعله تجاه هذا الإحساس بالضياع والسدى وفقدان الثقة فى أشياء هذا الكون التى تمارس لعبتها الأبدية مع الإنسان محاولة العمل على تقزيمه واشعاره بالمحدودية فى مواجهة قواها التى تحسب عليه أنفاسه، وتتدخل فى أدق تفاصيل حياته، وتسجن فى أطرها الغيرية التى تعمل على فرضها عنوة، الأمر الذى يقود الانسان مجبرا لأن يتزيف معها مرتديا اقنعتها الخادعة ومضحيا – فى مقابل هذا – برغبته الملحة فى نزع هذه الأقنعة والخلاص إلى وجوده الحق الذى ينشده بعيدا عن زيف هذه الأقنعة يقول “أشرف أبو اليزيد” :
لا يغنى لى
عازف الربابة العجوز
فوق الجبل
بل لأمرأته التى تركها وحيدة
ترعى حكاياته وعنزاته
وعندما باعنى ربابته
وهبنى كل أحزانه
وذكرى ابتسامته (قصيدة “العازف”)
إلى هنا تصل عزلة هذا الوحيد إلى أفقها الضبابى المفعم بالسواد والذى ينذر بحاله من الأستيحاش والملال يستشعرها الإنسان؛ ذلك الواحد الوحيد، الذى يمتلك نفساً أثيرية لا يمكنها إقامة علائق صحيحة فى معية مثل هذه الطقوس الطاردة، فعازف الربابة العجوز لا يهب غناءه – هنا – كعادة العازفين وإنما يهب أحزانه وذكرى ابتساماته فى إشارة إلى ذلك الميراث القديم من العذابات التى تنحل لديه إلى رغبة أكيدة فى الخلاص، وحاجة ملحة إلى التوازن والغبطة، وحلم بالتحرر من كل ما يحول دون إدراك هذا الخلاص، ففى مثل هذا العالم ليس سوى :
مقهى غادره النزلاء
مزدان بكؤوس فارغة
إلا من بقايا الشاى
ومنفضة دخان وكلام. (قصيدة “قلب الغائب”)
وفى قصيدة “رفات” يقبض الشاعر تماما على حكمته الموجعة ، تلك الحكمة التى تستأنس بأسلافها الخالين أمثال : أبى العلاء المعرى وغيره من الشعراء الفلاسفة الذين شغلتهم قضية الموت، وعدمية هذه الحياة يقول أشرف أبو اليزيد :
تثير الرياح رفات الرفاق الرحل
فتخضب ريشة الصباح بالحنين
كما الورد
يخصّب العينين بالحب.
هكذا بهذه الأبجرامية الإنسانية يلتقط الشاعر حكمته فى عملية تفعيل حية لتراثه الشعرى، تستدعى قول أبى العلاء الشهير:
خفف الوطأ فما أظن أديم
الأرض إلا من هذه الأجساد
فالشاعر هنا يعيد طرح قضية قديمة قدم الإنسان على هذه الأرض وحديثة ما بقى إنسان على هذه الأرض كذلك فى محاولة من الشاعر لإبداء انحيازه التام للإنسان ولقضية مصيره مغايته فوق هذا التراب.
إنها غضبة الشاعر وثورته الهادرة ضد كل من يعمل على هتك بهاء الإنسان وسلبه روعته وجماله، ذلك الإنسان الأسيان الذى يقف واحدا ووحيدا فى مواجهة حقيقته المرة التى يأذن بقرب إدراكها كل نهار من نهاراته الآفلة، وعندئذ لا يتبقى له سوى أن يخضب ريشة الصباح بالحنين تماما كحال الورد الذى يخضب العينين بالحب.
ولكن ما الذى فى يقينك أيها الرائى الحزين:
شوقى لمساء
يشبه الأحلام ،
وصباح بلا وسائد
ارهقتها الكوابيس. (قصيدة “شوق”)
هى نفرة الشاعر إذن واستعاذته القبلية والبعدية من هذا الإغلاق المحكم ، تأتى تعبيرا عن حاجة نفسه إلى الطمأنينة المبتغاة، والخلاص المأمول، غير أن آلام الشاعر – كما نتمثلها فى ديوان “فوق صراط الموت” لأشرف أبو اليزيد – لا تنتهى إلى انقطاع وذلك لأن دواعى هذه الآلام أزلية ، وستظل – على أثر ذلك – تضرعات الإنسان الشاعر من شدة فتكها أبدية وذلك لأنه:
فى المطر المنهمر
لا يشعر أحد
بقطرة وحيدة . ( “قصيدة مطر”)
الشاعر أشرف أبو اليزيد:
• تطوير التجربة الأدبية النسوية العمانية رهن بالوقت
• الشاعرية ليست قناعا نرتديه أو نتجرد منه متى نشاء
• معظم معاركنا الثقافية مزيفة وشخصية وسطحية
ـــــــــــــــــــــــــ حوار : سحر سليمان*
أصدر الشاعر المصري المقيم في سلطنة عمان 3 مجموعات شعرية بدأها بـ”وشوشة البحر” في العام 1989، ثم “الأصداف” في العام 1996، وأخيرا “ذاكرة الصمت” في ربيع هذا العام. ويجمع في عمله كسكرتير تحرير ومشرف فني لمجلة نزوى الثقافية الفصلية بين الأدب والفن، ويعد ديوانه “الأصداف” الذي وضع رسوم غلافيه ومتنه نموذجا لهذا المزيج الذي نجده عند مبدعين كثيرين. في هذا الحوار نسأل الفنان والإنسان، ونتطرق إلى مسارات شتى، حول المرأة والإبداع، والمجلات الثقافية، والتيارات الفنية المعاصرة: ولا تمثل أسئلتي له سوى نقاط للحوار:
1. كيف توفق بين إبداعك وعملك.. وكيف تمسك بزمام الساعات القصيرة للزمن؟
• ربما تدهشين لو قلت لك أنني أعد العمل، سواء عملي أو عمل أي شخص، جزءا من الإبداع. ففي هذا العمل تشحذ الطاقات المختزنة، وتكرس القيم، وتتراكم التجارب، وكلما اقترب المبدع من نقاط تماس بالحياة كلما برز الصدق، لذا يفاجأ بحضور القصيدة، وعليه أن يسجلها حينما تأتي حتى لا تشرد للأبد. كما أنني لا أجد ذلك البون الواسع بين عملي وكتاباتي ورسومي، فكلها غدران لنهر واحد.
2. القصيدة الحديثة: قصيدة النثر والتفعيلة، حدثني عن علاقتك بهذه التيارات.
• لا تعد القصيدة الحديثة سواء كانت قصيدة النثر وقبلها قصيدة التفعيلة بالعضو الشاذ في جسد المتن الشعري العربي. إنها الوجوه العديدة التي بها يغنى هذا الجسد. تعرفين أن هناك شعراء معاصرين مثل عبد الله البردوني (اليمن)، والجواهري (العراق)، وعبد العليم القباني (مصر)، يكتبون القصيدة التقليدية ولكن لا يختلف أحد على قدرتهم الإبداعية والتجديدية، فالشكل هنا في التمييز بين ألوان الإبداع الشعري ليس المحك، إنما المحك هو عمق وثراء وجدة التجربة.
3. نقرأ أحيانا رصفا للكلمات الفارغة فيما يسمونه إبداعا.. ما رأيك؟
• الكلام الفارغ لا يعد إبداعا، ولا يعتد به سواء قصد به كاتبه الشعر، أو النثر، وحين شاعت قصيدة النثر اعتقد كثيرون أنها الوصفة السحرية لجهلهم، فأخذوا يصفون ما يكتبونه بقصيدة النثر، ولكن قصيدة النثر أصعب بكثير من الشعر التقليدي. أن تخلقين موسيقى بدون أدوات موسيقية، وتراهنين اللغة على سبر جاد وحاد، وحين تنجحين تكون القصيدة النثرية.
4. هل يتجرد الشاعر من شاعريته .. ومتى؟
• لا أعتقد أن الشاعرية قناعا يرتديه ويتركه الإنسان متى يشاء ، الشاعرية ليست مرادفة للرقة والعذوبة وتلك المترادفات التي كرسها عشاق الأفلام السينمائية التي صدّرت ولا تزال تصدّر إلينا الوهم، الشاعرية هي خيط الألم بين جوهر الإنسان وما يحيط به، وهنا لا يستطيع المبدع أن يتجرد منها، لأنها جزء من تركيبته الجينية الإبداعية.
5. كمتابع للحياة الثقافية العربية ومشارك فيها، كيف تقيّم المعارك الثقافية والأدبية؟
• للأسف نادرة هي المعارك الأدبية، وما نقرأه أحيانا تحت هذا المسمى، هو مجرد فاصل من السباب، والمهاترات التي لا تعدو كونها تنفيسا عن أزمة يعانيها المتهاترون، أزمة تفضحها نتائج معظم البالونات المنفجرة في خطاب الاستعلاء على الآخر والإلغاء له، متناسين أن “الأنا” توجد فقط في مقابل “الآخر” ، لا توجد أنا لحالها، لذا علينا أن نؤسس قواعد جديدة للحوار، يحكمها عمق ثقافي ولو أدنى، ويرشّدها ضمير أدبي، ربما حينها ننجو من ضحالة هذه المعارك المزيفة والسطحية، والإنحياز الشخصي الضيق.
6. وكيف تجد المجلات الثقافية؟
• في وسط زخم ثقافة الصورة، والإعلام الذي يرتمي على أقدام الإهدار القيمي للمجتمعات، تلعب المجلات الثقافية الجادة دورها في كونها آخر المتاريس قبل حافة الانهيار. ولهذا مع اندثار لمجلة تموت أخرى، ومع احتضار دورية تنهض غيرها.
7. والشللية التي يتهمون بها بعض هذه المجلات؟
• المجلات التي أخضعت بنيتها للشللية ماتت، لا يغرنك أن هناك مجلات منها لا تزال تصدر، إنها تحتضر، ويزعم القائمون عليها أنها تنبض، لكنها تنبض بلا حياة، بفضل الأجهزة التي أوصلوها إلى شرايينها. وهي أجهزة قوامها دعاية فجة وتمويل مشبوه وإدعاء وهمي بالبطولة.
8. هل تؤثر الشللية في النشر؟
• وكيف لا تؤثر؟! لكنه التأثير المحدود بإطار الصحيفة أو المجلة، أما الإبداع الجيد فسيجد مكانه، فالشللية التي أتمناها هي شللية الجودة لا الأشخاص، عكس المجلات التي أشرت إليه سابقا.
9. ما رأيك بالألقاب التي يستأثر بها الشعراء: شاعر المرأة، شاعر الجبل، شاعر المنفى.. إلخ؟
• هي ألقاب للاستهلاك الإعلامي، أخشى أنها تجعل الشاعر مثل المعلبات المحفوظة في سوبر ماركت الأدب، تخيلي أنك تدخلين مكتبة وتطلبين 2 شاعر امرأة وواحد شاعر منفى، لا يصح هذا الوصف التعسفي، والقسري، والتسليعي.
10. كيف تقيم مستقبل النشر؟
• عكس كل المتشائمين أنا أرى أن العقد القادم هو عقد النشر بكل وسائطه، الورقية والإلكترونية، الآن على سبيل المثال يمكن لك أن تقرأي أعداد الدوريات العالمية وأنت في أي بقعة في العالم، عبر موقعها على الإنترنت، هذا لم يتح للمجلات الثقافية من قبل، وعلى الإنترنت تشترين الكتاب الذي ترغبين بالسعر الملائم، كما أن القوانين تتطور لتصبح للنشر حريته الأكبر، وهذا كله يجعلنا نتفاءل بمستقبل النشر.
11. القلم الأنثوي في سلطنة عمان، وفي العالم العربي، كيف تجده، وهل تعتقد أن له تأثيرا على الساحة الأدبية؟
• شهد العقد الأخير من القرن الماضي نقلة كمية في الكتابات النسوية العمانية، وخاصة على صعيد الكتابة السردية، وبرزت أسماء مثل آمنة ربيع سالمين، وزوينة خلفان، وتركية الحجري، وبشرى خلفان، وبدرية الوهيبي، وبدرية الشحي وطاهرة اللواتيا وشريفة اليحيائي والدكتورة غالية آل سعيد، ممن قدمن مساهمات في المسرح والقصة والرواية والمقال والنقد تطمح لتسجيل الحضور الأدبي للمرأة العمانية، لذا أعتقد أن تأثيره سيتجسد في هذا العقد، إذا ازداد الزخم والعطاء، وأتيحت له فرصة الحضور، والظهور، ولم تأخذ هؤلاء الكاتبات مشاغل حياتية. وأعتقد أن الشوط الذي قطعته المرأة العربية أخذ وقته حتى صار إلى ما هو عليه. لذا أعول على الوقت لتطوير التجربة النسوية العمانية إذا استمرت على جديتها.
12. ما هي طقوسك اليومية؟
• يمكن أن أختزلها في أن أفعل ما أحب بهدوء، لكن القراءة، قراءة الإبداع والبشر تأخذ جزءا كبير من تلك الطقوس.
13. أشرف الإنسان: ماذا يدمع عينيه ويقهره؟
• الدموع أحيانا تكون للفرح، فالحزن سرى في المشهد حتى أصبح لزاما علينا في أحيان كثيرة أن نضع المشاعر في ثلاجة، لكن ما يقهرني حقيقة هو تكرار الظلم واستساغته من قبل المظلوم.
14. وماذا يضحكه.. ؟
• أعشق الكاريكاتور، تلك الكوميديا السوداء (نسبة إلى الحبر أو الواقع.. لا فرق) التي تبوح بما نعجز عنه في خطوط مبالغة لكنها موجزة.
15. أين لحظة الصدق: في دمعة طفل، أم في لحظة التقاء حبيبين، أم لحظة إبداع القصيدة؟
• لحظة الصدق هي لحظة الحساب مع النفس، في آخر اليوم أو في آخر العمر، تجلسين إلى نفسك لتحاسبينها على ما فعلت وما قصرت عنه، لحظة الصدق هي لحظة المكاشفة.
ــــــــــــــ
* كاتبة من سوريا، عضو اتحاد الكتاب العرب
حاوره: عبد الرزاق الربيعي
(لخيول المنفى أن تركض
حتى آخر مضمار العمر
لجنائزهم أن تمتد لآخر ليل
لقبور الموتى أن تملأ
ما بين خليج ومحيط
لدماء ضحايانا أن ترسم غيرنيكا
آلاف المرات)
هكذا رسم الشاعر والفنان والصحفي أشرف أبو اليزيد تفاصيل مشهده الشعري عبر ثلاثة دواوين بدأها بـ(وشوشة البحر) عام 1985م، و(الأصداف) عام 1996، و(ذاكرة الصمت) ديوانه الأخير الذي صدر العام الماضي عن دار الجديد، ليؤكد حضوره الفاعل ضمن جيل الثمانينيات في مصر.
تتميز قصائد الشاعر أشرف أبو اليزيد بالقدرة على التكثيف، والنفاذ إلى جوهر الأشياء عبر لغة موحية، أخذت من تجربة الشاعر مع الفن التشكيلي – ممارسة ونقدا – قدرة هائلة على التلاعب في ألوان الوجود ليرسم رؤية تنبع من دراسة عميقة للواقع بمشكلاته المتعددة الضاربة في عمق الوجود الإنساني.. وقد بلغ نصه في (ذاكرة الصمت) أقصى درجات التوهج الشعري عبر طرح الأسئلة المفتوحة التي تعكس حيرة الشاعر إزاء عالم صاخب كثير الالتباس، مجانبا (الثرثرة اللغوية) التي طبعت بها النصوص الشعرية لمجايليه؛ ذلك لأنه يرى ضرورة كسر ظاهرة الترهل اللغوي في جسد الخطاب الشعري، وإزالة شحوم القصيدة من أجل أن يعود لها (شبابها ونضارتها).
وأشرف أبو اليزيد الذي أقام بيننا ثماني سنوات عامرة بالنشاط الإبداعي والفني من خلال ممارسة العمل الصحفي في عدة منابر ثقافية أبرزها عمله بمجلة نزوى، يتهيأ خلال أيام لحزم حقائبه عائدا إلى (القاهرة) حيث ستكون بانتظاره محطة إعلامية جديدة يطل من خلالها على أصدقائه وقرائه ومحبيه.
وكان لابد لنا أن نستوقفه قليلا أن نحاوره في الشعر والفن والحياة، فكان لنا هذا اللقاء:
• على الغلاف الأخير من مجموعتك (ذاكرة الصمت)، وهي آخر ما نشرت، غنيتَ متأسيا للطيور التي استهلكتها المنافي، هل قررت أخير (ذبح أجنحة الغربة)؟ أم تراه بحثا عن أفق جديد؟
- المنفى الأقسى في حياة المبدع هو منفاه الروحي، وخلاصه، إن كان هناك ثمة خلاص، أن يتصالح مع جوهر الروح داخله، ليبدأ مرحلة جديدة من القلق، وهكذا. فالمنافي لا تتبدد ولا تنتهي، إنما هي تتجدد في أزياء جديدة، إنها كالأزياء الوطنية، كلما عبرت الحدود تغير شكلها، لكنها تبقى معبرة عن مضامين واحدة.
ومشكلة لفظة (المنفى) في معناها اللغوي العربي تكمن في ظلالها السلبية، بينما أرى أن لها ظلالا إيجابية كثيرة، والمبدعون جلهم، إن لم يكن كلهم، عاشوا منافي عديدة، ومنهم من رهن نفسه لمحابس تحمل لافتة المنفى، حتى في قلب الأوطان.
• في مجموعاتك الشعرية الثلاثة يقف البحر قاسما مشتركا لعنوانين منها، وكذلك في نصوص (ذاكرة الصمت)، فما هي الدلالات التي يحملها البحر في تجربتك الشعرية؟
- البحر هو المجهول الأكبر والمعادل الموضوعي للنفس الإنسانية، وفي تراثنا الشعبي، الذي أعده أحد مصادري الأساسية في الكتابة، يقف البحر بوجهيه شامخا: هو الخير والشر معا، هو المانح والمانع، هو الغموض والوضوح في آن واحد، هو الأدنى بسطحه، والأقصى بعمقه، إنه نفس إنسانية في جغرافية الكرة الأرضية.
وحين أذهب إلى البحر لا أقترب منه، مهابة وأكتفي بالتأمل فيه، والحديث معه، والاستماع إليه، ولعل إيقاع الشعر الذي لا يزال يتاخم قصيدتي هو نبض ذلك البحر الذي يكتب الشعر منذ فجر التاريخ دون أن يطبع ديوانا واحدا. البحر هو الشاعر الأكبر، ونحن الشعراء المحبين له جوقته في زمن أصم.
• كتبت مجموعتك الأولى (وشوشة البحر)، عندما كنت في مصر، هل صادفت تلك الوشوشة البحرية حين جئت إلى سلطنة عُمان؟
-منذ وشوشة البحر؛ بداية الحديث، وحتى ذاكرة الصمت، ومرورا بالأصداف، وأنا أبحث عن لؤلؤة ما، فالشاعر هو الكفيف المتلمس طريقه في ليل اللغة. وفي عمان رأيت أشكالا أخرى للبحر، جغرافية وإنسانية.
ومن أحدث قصائدي ما كتبته عن ربابنة البحر في ميناء (صور) العُماني، حين استمعت إليهم. لقد فتحوا لي أصدافا شعرية جديدة. وساقت لي الأقدار صديقي الباحث والمصور الأسباني خورخي إستيفا، الذي جاء إلى هنا ليكتب عن بحر العرب، وعرب البحر، متتبعا رحلات البحارة العمانيين في خطوط إمبراطوريتهم الملاحية، وكنت معه، وكان البحر معنا. يمكن أن تقول أن البحر هو قدري الشعري.
• في قصائدك استفدت من تجربتك التشكيلية وفي لوحاتك استفدت من تجربتك الشعرية، كيف ترى هذا التواصل الجمالي؟
- إذا كنت تقصد أن هناك علاقة لونية، نعم، هناك تواصل لوني، ثم أنك في التشكيل والتصميم تختزل الصورة إلى مرموز أيقوني بصري، وهذا هو الشعر في منتهاه؛ اختزال المعاني إلى مفردات لا يأتي بعدها اختزال. لذا تمتلئ اللوحة باللون أو تضن به، كما القصيدة، وكلاهما يعبر عن حالته، وكلاهما مادته التشكيل: اللوني واللغوي.
• لماذا لم تقم معرضا تشكيليا خلال فترة إقامتك بالسلطنة؟
- بالعكس، كنت أقيم معرضا كل 3 شهور!
• كيف؟
- كنت أجد لذة وأنا أقوم بتصميم وإخراج مجلة (نزوى)، بابتكار شكل إخراجي جديد للمادة الإبداعية والبحثية، واختيار الصور داخل هذا المعرض، حتى أن الشاعر باسم المرعبي أطلق عليها معرض في مجلة، وكنت أنا قوميسير هذا المعرض. كما صممت وأخرجت كتاب (عمان 2000) الصادر عن وزارة الإعلام، بشكل يختلف عن السنوات السابقة. ولم يكن هناك الوقت لأتفرغ للرسم، فالرسم ليس هواية وقت فراغ، إنه إبداع، وعلى المبدع أن يخلص لإبداعه، هل تستطيع أن تضع أكثر من امرأة واحدة في قلبك، تستطيع، ولكن لن تشعر بإخلاص لأي منهن. وهكذا هو الإبداع.
• تحتل الأسئلة مساحة كبيرة من (ذاكرة الصمت)، ماذا يعني لك السؤال؟
- يا إلهي!! وهل تجد الحياة غير سؤال نحاول طوال العمر الإجابة عليه؟ أتعرف هناك نظام جديد في الاختبارات يسمونه النظام الأمريكي، والأسئلة تأتي مع اختيارات للإجابة: مثل: هل الدولة (س): إرهابية؟ أم يجب محوها؟ أم أنها العدو الأولى بالكراهية؟ ونحن في الشعر لا نعرف هذا النظام، نعرف الأسئلة المفتوحة، وربما تلك التي لا تحمل إجابات، الشعر يدفعك بالسؤال تلو السؤال لتبدأ أنت تساؤلاتك الخاصة.
• تعتمد جملتك الشعرية على الاقتصاد في الألفاظ، هل يمكن أن نعده شكلا من أشكال التعبير الفني؟
- في عصر الثرثرة اللغوية، في الإعلام والحياة بمجملها، لا بد أن تقتصد، لا بد أن تكسر هذا الترهل اللغوي في جسد الخطاب الشعري، لا بد أن تذهب إلى طبيب التجميل البلاغي ليزيل شحوم القصيدة، فيعيد إليها شبابها ونضارتها.
تعرف؛ الشعر ليس مسألة رياضيات، لكنه يعترف ببعض قوانينها، وإذا كان أقصر الطرق بين نقطتين هو المستقيم، فلماذا كل هذا اللف والدوران، هل نكتب شعرا، أم لا؟
• درست الأدب الإنجليزي وقرأت شعره، فما هو تأثير ذلك في تجربتك الشعرية؟
- في كلمة واحدة: الاختزال. نعم كنت أستمتع بوصف تشارلز ديكنز ودانييل ديفوي، ولكن عبقرية الشعر الشكسبيري تبقى في قدرته على الاقتصاد، فمسرحه جمل شعرية تحمل سمت القصائد القصيرة، وشاعر الحرب الأثير لدي هو دبليو إتش أودن وقصائده القصيرة طلقات رصاص لغوية، كما أفضل إحالات إليوت في قصائده المطولة، التي هي قصائد قصيرة في الأساس. وإذا كانت هذه الأسماء في الكلاسيكيات الإنجليزية فالأمر نفسه صحيح في الآداب الأخرى التي قرأتها بالإنجليزية: قصائد الهايكو اليابانية، أشعار سافو اليونانية، دواوين الشعر الصيني والإفريقي.. هذا من ناحية التأثر باللغة الأخرى. ولكني لا أنسى هنا التأكيد على أن جزالة لغتنا العربية في تلك البلاغة المحكمة التي تنحاز للاقتصاد اللغوي.
• في قراءتي د. حسن فتح الباب، ومحمد عبد الحليم غنيم، لتجربة ديوانك الأخير لاحظا تركيزك على الإبيجراما الشعرية، التي هي صياغة موجزة لقصيدة نثرية، فما مدى صحة هذا الرأي؟
- وجدت نفسي كما قلت لك في السؤال السابق في هذا النوع من التعبير، وليسمى إبيجراما شعرية، أو ومضة أو أي شيء. أنا أكتب الشعر الذي أحبه، بالشكل الذي أعرفه، وبالطريقة التي أنحاز إليها، والتي هي جزء من تركيبة عصر لاهث.
أريد أن يقرأ الجمهور شعري في الحافلات، وأن تضع القارئات سطورا منه في فاتحة كراريسهن المدرسية، وأن يُستشهد به في مواقف الحياة، هو شعر من الحياة ولها.
• كشاهد على الحركة الثقافية الفنية والأدبية في سلطنة عُمان خلال سنوات إقامتك بها، بماذا خرجت؟
- المشهد الآن في شتاء 2001 م غير ما رأيته شتاء 1993 م وهو الشتاء الأول الذي عشته في مسقط، حتى الطقس تغير، فما بالك بحركة قوامها التغيير. لكني أرى أن الأمر يجب أن يتجاوز المحاولات الفردية، وأن يكون هناك قوام مؤسسي أو أكثر لمبدعين عمانيين، تغيب فيه الفردية قليلا لصالح عمل جماعي، يؤكد على الهوية الفردية لكنه لا يلغي الهوية الوطنية.
تعرف أن من بين التجارب التي أعجبت بها هي تجربة الجمعية العمانية للفنون التشكيلية، التي تقدم هذا النسيج الجماعي والفردي، وتحاول أن تقفز على السلبيات، وبكوادر شابة، لتؤكد هذه الهوية.
• ماذا يلوح في أفق أشرف أبو اليزيد الشعري؟
- وهل يبقى لنا أيها الشاعر غير الشعر؟ في مصر سأسعى لطباعة عمل شعري مترجم، وأصدر مجموعة شعرية جديدة، تخرجني من ذاكرة الصمت، إلى فضاء البوح.
04.12الشاعر أشرف أبو اليزيد: جيلنا يعيش في شرائط حدودية معزولة لا يقربها النقاد، ولا يعبأ بها القراء!
حوار: تهامة الجندي
• متى بدأ الشاعر أشرف أبو اليزيد في كتابة الشعر؟ ما هي المؤثرات الأولى، وما هي المرجعيات الثقافية؟ وهل ترك الأدب الإنجليزي آثاره في تجربتك الشعرية؟
• بداية، كان لسطوة الموسيقى الشعرية في صفوف الدراسة الأولية، وقع السحر على الأذن والقلب معا، أحسست أن القول الشعري أكثر قيمة من غيره، هذا الإحساس ازداد عمقا بإدراك ماهية الشعر ذاته، وتأكد لي ما ذهبت إليه عندما كنت ألقي الشعر في الإذاعة المدرسية، ربطت بين القصائد الوطنية وصداها، في إلهاب الحماس الجماهيري، رغم ذلك لم أبدأ بكتابة شعر نضالي، وكنت في نهاية المرحلة الابتدائية، بل بقصائد رومانسية لأستاذاتي، وبعد ذلك لزميلاتي وجاراتي، أحسست _ آنذاك _ أن مخاطبة الأنثى، بل والحديث عنها يجب أن يكون شعراً! بل وكنت أكتب موضوعات الإنشاء المدرسي شعراً، أو هكذا كنت أظنه، بتشجيع أستاذي!
أما المرجعيات الثقافية فكثيرة: دراسة القرآن في الصف الأول الابتدائي بمدرسة أزهرية كان بمثابة درس في عشق اللغة العربية، ثم انتقلت بعد ذلك إلى مدرسة بها مكتبة نموذجية وضخمة قرأت كتبها كلها دون تفرقة، كانت لدي شراهة مثالية للقراءة، ثم كانت مجلدات المجلات الثقافية مثل الهلال والكاتب والمجلة وغيرها هي محطات قراءاتي المتخصصة الأولى، وكنت أتسلل لمكتبات الكبار العامة وأنا بالصف الخامس وما بعده لأدفس نفسي بين دفتي كتاب عن الحضارة أو التاريخ، أو الفن والأدب بطبيعة الحال، ولذا كانت علاقتي الأولى مع الشعر وثيقة الصلة بعلاقتي مع الرسم، ومارستهما معا. وحين درست الأدب الإنجليزي كانت قصائد ت. س. إليوت وعزرا باوند ودبيلو هـ. أودن، بعد كولردج ووردزورث وسواهم شرارات حقيقية لسؤال الشعر. وكانت اللغة الإنجليزية وسيلتي لارتقاء مسافات أخرى في البحث عن الشعر ليس فقط في الأدب الإنجليزي ولكن في الآداب الأخرى _ في الصين واليابان والاتحاد السوفييتي ودول أفريقيا _ عبر النسخ الإنجليزية للدوريات الأدبية بهذه البلدان. وحين أصدرت مجلة أدبية استمرت 5 سنوات منذ العام 1983، أتيحت لي الفرصة منذ ذلك الحين وحتى الآن، وأنا لا زلت أعمل في الصحافة الأدبية، لأكون ضمن محك التعرف على شخصيات مثقفة، لا شك أنها أفادتني كثيرا.
• بدأت بقصيدة التفعيلة، ثم استعذبت قصيدة النثر، والومضة الشعرية، فهل هي الرغبة في التجريب، أم هو الموضوع الذي يقترح أسلوبه وشكله؟
• الرغبة في التجديد لا تترك الشاعر أبدا، ولكني بشكل خاص لا أتقصد الشكل، ففي ديواني الأخير (ذاكرة الصمت) تجدين تسلل قصيدة التفعيلة، وأحيانا أصل تخوم القصيدة الكلاسيكية كما في (قطار يعبر الصحراء)، المزج حاضر حضور كتابة الشعر.
دعيني أنتهز الفرصة لأقول بأن الكيمياء وحدها تعرف حضور العناصر محل الأخرى، أما في الشعر فالعناصر كلها موجودة معا، إنها كيمياء لحالها، فقصيدة النثر تتوخى الموسيقى، وإن تكن الموسيقى غير التقليدية، إلا أنها حاضرة، أعطيك مثالا في الشعر الياباني المترجم للعربية لقصائد (الهايكو)، إنه ليس موسيقيا بالمعنى الموسيقي التقليدي، لكنه بالكيمياء الشعرية هو أرقى أنواع القول الشعري موسيقيا، ففيه تتقابل الفصول الأربعة بإيقاعات متوازنة، وموزونة.
• تأتلق مجموعة (الأصداف) بعبق الزهور ورائحة المياه وغزارة الألوان، في حين يقسو المشهد ويشحب في (ذاكرة الصمت)، فما هو سر هذا التغير؟ هل هو المكان، أو التجربة المعاشة؟
• كتبت مجموعة (الأصداف) على مدار عشر سنوات، أو بمعنى أدق تنتمي قصائدها لما بين منصف الثمانينيات ومنتصف التسعينيات، وقد عشت فترة غزيرة في الحل والترحال آنذاك بين النيل والبحر ، كانت (الأصداف) ثمرتها. وربما كان للمواظبة على ممارسة التشكيل في تلك الفترة أثرها.
أما المشهد الآني في (ذاكرة الصمت) فيكاد يكون واحدا: رتيبا ووحشيا، إنها درجات من العزلة، وألوان من طبيعة بشرية لها ابتسامتها المزيفة، وقسوة الصحراء، كما أن لها سطوة الجبال الأسطورية التي تمتد من تخوم البحر إلى مشارف الروح. لم أستطع أن أنجو، تسللت أبجدية المشهد الرمادي إلى قصائدي!
• إرادة الفعل والنبرة العالية تميز (الأصداف)، في حين ينكفئ الفعل وتخفت النبرة في (ذاكرة الصمت)، فهل هذا يعني بأن أشرف أبو اليزيد قد فقد الأمل بالتغيير؟
• على الشاعر داخلنا، وأنت شاعرة، ألا يفقد الأمل، نحن _ البشر _ يصيبنا اليأس، والإحباط، والقنوط، خاصة مع تردي الأوضاع حولنا، وانجرافنا الدامي على هذه الصورة، في حين يبقى صوت الشاعر يحمل رمق الأمل، وهكذا تجدين الصراع متواصلا بين أنا الشاعر وأنا الإنسان، وأتمنى أن تنتصر أنا الشاعر، وإن علا صوت الإنسان _ رغما عني _ في قصائد (ذاكرة الصمت)، إلا أنني أتمنى أن أعود إلى عصر (الأصداف)، كان لدينا آنذاك فسحة أوسع وأرحب من التفاؤل، الذي نفقد نسبة كبيرة منه كلما مر عقد من عمرنا.
ورغم أن جيلنا من الشعراء يعيش في شرائط حدودية معزولة لا يقربها النقاد، ولا يعبأ بها القراء، فكلا الجماعتين يتمتع بهموم كثيرة، تتماس وتختلف مع هموم الشاعر، إلا أنني أعتقد أن مساحات تلك الشرائط الحدودية المنعزلة تتسع وقريبا سنتواصل مع من نتبادل معهم الأمل، عبر فضاءات جديدة تنقل القول الشعري بشكل ما إلى مساحات الفعل والتأثير، أؤمن مثلا أن للإنترنت في المستقبل دورا في توزيع ديوان وشيوعه، بكل ما يحمله من أفكار، ودون رقيب، هذا يجعل جمهورية الشعر خاصتنا لا تفقد الأمل في التغيير، ولو بعد حين.
• الإحساس بالهزيمة هو الشعور الطاغي على مجموعتك الأخيرة، فما هي أسباب الهزيمة على المسار الشخصي والمسار العام؟
• تواضعت آمالنا وضؤلت، حتى أصبحت بحجم رأس دبوس على خريطة شاسعة بحجم الواقع، ورغم ذلك لم تتحقق. غرق الأحبة في دوامات الذاكرة الصدئة، فماتوا ومتنا معهم على بوابات النسيان. تفرق الأصدقاء بحثا عن لقمة العيش على عتبات الجمارك وفي متاهات الخوف من المستقبل المجهول، الأوطان تئن بين وطأة الجهل وشراسة الأنظمة العالمية. الهزيمة تسللت من زوايا التاريخ المسلوب حتى سكنتنا، في اطمئنان بليد. أرواح الشهداء تسلب وبالمجان.. والقائمة تطول!
• “الأفراح شطائر تفاح، يحرقها الفرن الأمريكي” فما هي أفراح الشاعر أشرف أبو اليزيد التي احترقت؟
• أفراحي هي أفراح الإنسانية التي سلبت منها بالتدريج، في موت بطيء، تعرفين: ليست هناك الآن مفاهيم مطلقة، ليست هناك حرية، إنها الحرية من منظور أمريكي، وحقوق الإنسان من منظور أمريكي، والديمقراطية من منظور أمريكي، وإدارة الأزمات من منظور أمريكي، والإعلام من منظور أمريكي، أحيانا أشعر أن علينا أن نعيش ونأكل ونلبس ونمارس الحب، وتمر حياتنا وفق أدق تفاصيلها.. من منظور أمريكي!
يتباهون بأن أمريكا تعرف كل شيء، إنها كما في رواية جورج اورويل (1984) الأخ الأكبر، وبالطبع ما دامت بيوتنا من زجاج فسنظل نخشى الأخ الأكبر، أعتقد أنه إذا ما عالجنا عيوبنا من الداخل، وإذا امتلكنا تعريفنا الخاص بما لدينا، ستفقد أمريكا مكانة الأخ الأكبر والأم الرؤوم والزوجة الحنون، بل ربما رضيت بأن تكون مجرد بودي جارد في ميدان الرقص السياسي، وبالمجان.
• الأنا في مواجهة المكان المعادي وشروطه الإنسانية، كرس الإحساس بالعزلة، فماذا تحدثنا عن هذا الجانب؟
• في شقتي حيث أعيش بعيدا عن الوطن، تجدينني أحاول أن أنقل صورة هذا الوطن،عبر أيقوناته إلى فضاء المكان: صور الفلاحات على النيل، وأولاد البلد في المقاهي، والبنات في زي المدارس، ولوحة امرأة ممتلئة رسمها صلاح عناني تتحدث في الهاتف وخلفها صورة عبد الحليم حافظ، وشرائط أم كلثوم، وكتب محيي الدين اللباد، ورباعيات جاهين وأشعار الأبنودي، وكاريكاتير حجازي، وأوراق بردي لفرعون يطرد الغزاة، ولوحات نحاسية من خان الخليلي، ورسومات على أبواب خشبية، وتصميمات لبيوت حسن فتحي، وسجاد شعبي من الحرانية ..
في كل ذلك أحاول أن أخلق مكانا أليفا، وحميما، لكن الإنسان الشاعر في النهاية لا يستغني عن البشر الحقيقيين، ومن هنا استشعر العزلة… في الحياة، وتقرئينها أنتِ في الشعر.
كتب الشاعر خالد زغريت:
تنتمي شعرية أشرف أبو اليزيد في ديوانه ذاكرة الصمت إلى تجسيدات إشراقية للهم الذاتي الذي يبدو مصفى بغنائيته للذات الخاصة الحاضرة شعريا بقوة غربتها وحزنها المهيمنتين بثقل على لغة النص. إلا أن هذه الهيمنة محرضة للقارىء للحفر في معاني سطوتها الساطعة، ثمة شعور حاد بالغربة بنتج حساسية شعرية تحلّق بمطية الحزن فسيحا حتى تكاد تخشى غماميتها، لا بسبب امتطائها جواد الغموض والانفساح إلى بنى صورية ولغوية متخطية مرجعية متخيلة لدلالاتها بل بسبب كثافة حضورها، ومداورتها التكرارية والتتابعية، ثمة معان يخرج الحزن إليها في تجربة أشرف أبو اليزيد محمولة على أفق القناع الذي نلمحه في ذاكرة الصمت إيماءً وإيحاءً اجتراحا لفضاء شعري بكر:
أبحث بين ركام الأقنعة المُهلِك
عن وجه لم ستهلك
كي أخفي – حين أقابلكم – حزنا
يغرق قارة قلبي.
إن قناع الحزن في ذاكرة الصمت يحضر تجليا للباطن ومساحته النفسية المتحركة بمعنى: لم يكن مرتبطا بصورة فنية محضة وحسب، إنه الرؤية الوجودية الخاصة بالشاعر ومعاناته، تجربته الذاتية والموضوعية، إننا نجد على سبيل المثال الاشتباك الدرامي بين التجربة الذاتية للشاعر في تغرّبه واغترابه وصراعه الوجودي والتجربة الموضوعية عبر مرجعيتها التاريخية الثقافية المحمولة على حيوات الرمز في قصيدة (لير94م96):
ها أنت ستغمد وجهك
في قلب البحر
مليئا بالحزن
تاهت مركبتك
بين أخاديد الغربة
ويداك الناحلتان اكتوتا
فوق المجداف الخشبي
تلك الأشرعة الملأى
بثقوب رصاصات القناصة
تتسع وتتسع
تركلك موانئ كل الدنيا
وأنا أنتظرك
في قاع البحر
تتجرد (أنا الشاعر) الموجودة بصورة حقيقية، مع (هو لير) المنوجدة بصورة فنية، ويتقاطع وجودهما في (الحزن – معاناة التجربة الحياتية) ليتوحدا في إيقاعية درامية تنشط حياة قناع الحزن الذي يتصل هنا بتجسيد رؤية فلسفية رؤيوية للوجود.
بمعنى إطلاق الحزن من باطن وذات الشاعر، فهو الصورة الرمزية للتفاعل والإنفعال النفسيين المتولدين من التجربة الذاتية له التي تحرّض جملة أسئلة وجودية فلسفية متصلة بانفتاح شعري تخيلي يلم بأفق ثقافي وجودي منمزج بنضج شعري جميل:
أي امرأة ستقربن بنا
عند أول رؤيا
غير التي اشتريناها بعمرنا؟
أي البيوت سيهجرنا
وقت السيل
غير الذي بنيناه
على أكتافنا؟
أي الطرقات ستركلنا
عند أول مفترق
غير التي مهدناها للآخرين؟
……..
أي المسافات ستقتلنا
غير التي تتوزع
بين القصائد.
يحفر النص السابق عبر مساءلاته المشربة ببلاغة فنية وحساسية شعرية نافذة إلى موضوعية ممنهجة ثقافيا ؟ جماليا، فالشعر هنا قنديل مكاشف للإشكاليات الوجودية الطارئة على التجربة الإنسانية، والمكاشفة هنا تتصل بمعنى تأويلي للحالات الناشئة التي يردها الشاعر إلى طبيعة منهج سيرورة الوجود الذي ينمو بفراق واضح وحاد للحلم القابع فوق مدركات الواقع، حيث ملكوته الذي يبقى بعد مسافة الحلم، إنه ذلك الذي يبقى في القصائد.
إن الإشراق الفلسفي الذي يحرك قناع الحزن، ويضيء ملامحه، يدفع الشعرية إلى إقامة علائق موضوعية غير منبتة مع آلية التفكير المنطقي، الذي غالبا ما نراه مجافيا للشعر.
إن الحزن لدى أشرف أبو اليزيد لحظة سمو إنساني، وغلتزام حيوي مع الباطن المتصل بتعال زمني عن الواقع، إنه جوهر الوجود الذي يقوم على الرغبة المنكسرة بالخلود العزيز إلا بضرورة الوهم.
ستحل بعيني دموعك
كالضيف الحجري
تضيء القلب بالحزن النبيل.
إذن الحزن هنا إنوجاد حيوي إشراقي، فهو عامل إضاءة، وليس آلية تعتيم ومسرى إلى كهف نفسي شديد الظلامية، هكذا يتحرك الحزن عبر أقنعة متعددة إلى سيرورة شعرية تنتج رؤى تغاير علاقة الشاعر بالوجود، وتكشف صدامه المستمر وما يرافقه من ردات فعل تؤسس لنا المدارات الفلسفية المعمول بها من قبل الشاعر للتعامل مع الحياة، وبالتالي المفردة في بناء الجملة الشعرية المرتدة إلى مصطلح عائم هي عتبة تستدرج صورية متحررة من أرضيتها لصالح التحليق المطلق في مدارج الحياة، ففي الوقت الذي يجاهد فيه الشاعر إلى ذبح أجنحة الغربة كون الطيور استهلكتها المنافي:
الطيور استهلكتها المنافي
فمتى تذبح أجنحة الغربة؟
وفي الوقت عينه يغزل أجنحة السفر إليها:
ربما يساقط في شرفتي
من ريش النوارس
ما يكفي لغزل جناحين
يأخذانني إليك
قبل نهاية الشتاء.
إن الحزن إضافة لما يشكله من مناخ متحد السمات، يضعف في أحيان كثيرة وميض قناعه المتصل بمدار جديد، لا سيما عندما يحضر بذاتية آلية، فيعيق تفتح الشعرية، ويثقل حركتها؛ هنا تنطرح مشكلة علاقة اللغة التركيبية/ الدلالية/ بالفكر المنقسم على صورتين، صورة تبني عمقها بذات وجودية مندغمة بأبعادها الموضوعية/ التاريخية / الثقافية/، وصورة تعومعلى الحس الأولي الطاريء على شخصانية الشاعر:
الحزن امرأة تعشقني
ترقص لي
حتى مطلع فجري
فأضاجعها
حتى مغرب عمري.
……
ما أفجع تلك الأيام
تداول أحزان الدنيا بين جوانحنا
هنا لا يقوى الحزن على ممارسة حيوات إبداعية متضاعفة، كون القناع غير متسق مع ما يمنحه أبعادا تعلو واقعه الموضوعي، إذ يرتبط بذاتية طارئة، وهذا ما يشد شعرية أشرف أبو اليزيد في مواقع متعددة إلى صور تستهلك نفسها، فتفرغ للشحوب الإبداعي الذي نراه في مواقع أخرى مشرقة بأنوار شعرية ممتعة لا سيما عندما يحرر الشاعر ذاته الشعرية من ذاته الخاصة:
ربما اخترقت سماءك
مسلتي المنقوش اسمي عليها
المغسولة بماء اللوتس
لتجلب الظل لحديقتك
..
ربما أطلقت الورود التي
جففتها الشمس على بوابة النظر
ساقيها للريح
مع ما تبقى من رماد الذاكرة
بهذه الشفافية الإبداعية تسمو الشعرية المسندة إلى قناع الحزن إلى إيماض شعري غني بألقه وإدهاشاته الجميلة.
ثمة ملكة تنطوي عليها شعرية أشرف أبو اليزيد في ذاكرة الصمت، تفتر عن مفاتنها المضيئة دون عتمات متولدة عن الهندسة البنائية للنص نتيجة إيلاء الشاعر للكثافة والرشاقة والتخلص من زوائد الكلام الأهمية القصوى؛ مما يفسح للشعرية أن تنسل بحيوية وحرية تحوزان على بهاء جمالي مبدع يرسخ حضوره من ذاته دون الاتكاء على عكاز مساعدة..
وتلك آفاق حياة الشعر.
بقلم الدكتور : حسن فتح الباب
الغربة كالزمن أو القدر في تعدد وجوهها، واختلاف مساراتها، وهي صوت يثقب السكون وما يلبث أن يتحول إلى أصداء مثل هتاف الكروان الشجي. ولكن هذا الهتاف يهدأ ثم يختفي. أما لحن الغربة فهو يبدأ وينداح كالأمواج غير أنه يستمر لأنه بلا شطآن تتكسر أمواجه عليها. وهكذا يغور في النفس حتى أعمق طبقاتها ويطفو على السطح بوحا وإفضاء يقي هذه النفس من التلاشي وإن أصابها أحيانا بالتشظي.
ولعل الشعراء العرب قديما وحديثا هم أكثر شعراء العالم عزفا على قيثارة الغربة المتعددة الأوتار؛ وتر الغربة المكانية حين يغادر الشاعر موطنه وديار أحبابه.. وتر الغربة النفسية حين يجد نفسه غريبا بين بني قومه وأهله في مواجهة السلطة.. وتر الغربة في الوجود حين يتساءل عن معنى الحياة وسر الموت فلا يجد لأسئلته جوابا. وقد عبر إبن الرومي عن هذه الحيرة ومشكلة المصير في قوله:
ألا من يريني غايتي فبل مذهبي
ومن أين والغايات بعد المذاهب؟!
وصور المتنبي اغترابه المكاني والروحي مذ فارق بلدته الكوفة وعاش مشردا في أرجاء الأرض بقوله:
فيم التعلل لا أهل ولا وطن
ولا نديم ولا كأس ولا سكن!!
وقد ألف أبو الطيب الاغتراب حتى توحد به وأصبح زاده وشرابه ويقظته ومنامه وغدت من المأثورات أبياته التي تقول:
ألفت ترحلي وجعلت أرضي
فنودي والغريزي الجلالا
فما حاولت في أرض مقاما
ولا أزمعت عن أرض زوالا
على قلق كأن الريح تحتي
أوجهها يمينا أو شمالا
وهكذا يعد شاعر العربية الأول نسيج وحده في الغربة لأنه استبدل بالوطن ذاته فكان انتماؤه الوحيد إليها. ومن ثم امتزج إحساسه بالغربة في بلاد الله الواسعة بالنرجسية أو تضخم الذات، فاتسع هذا على حساب ذاك، فقال عن نفسه:
تغرب لا مستعظما غير نفسه
ولا قابلا إلا لخالقه حكما
ويختلف هذا الشاعر المتفرد عن معظم شعراء العرب في عصره والعصور التالية في أن غربته مركّبة، فهي ليست الغربة المكانية التي يصفها مهيار الديلمي بقوله:
ويلتا للغريب في البلد النازح ماذا بنفسه صنعا
فارق أحبابه فما انتفعوا بالعيش بعده وما انتفعا
بل هي غربة في سبيل المبدأ. فقد اغترب الملك الضليل امرؤ القيس حين لجأ إلى ملك الروم ليعينه في طلب الثأر لأبيه حجر. وشعر عنترة باغترابه بين وطنه وأهله لأنه كان يطلب حقه في المساواة وعدم ازدرائه بسبب لونه ونسبه لأمه السوداء. أما أبو الطيب فقد كان المبدأ الذي اعتنقه وظل مسكونا به طوال حياته هو الدفاع عن حقه في المساواة بالملوك والأمراء والرؤساء، وعن حريته في التعبير فيفخر بنفسه لما يشاء ويمدح من يمدح ويهجو من يهجو لأنه الأكبر والأعظم. والمبدأ الثاني الذي آمن به ووقف عليه حياته هو الإيمان بالعروبة والدعوة إليها وذم الحكام الأجانب.
وقد عمّق هذه العقيدة الأيدلوجية عنده هوان العروبة في عصره واستخذاء الملوك وولاة الأمر أمام زحف الأعاجم من كل جنس وعرق واستيلائهم على مقاليد السلطة مستغلين هذا الاستخذاء. وعبر عن هذه المحنة أو هذا الهوان بقوله:
وإنما الناس بالملوك وما
تفلح عرب ملوكها عجم
بكل أرض وطئتها أمم
تُرعى بعبد كأنها غنم
وقد اقترب المتنبي من فكرة الاغتراب الوجودي والمصيري (الحياة والموت) حين تناول قضية الزمن وعبثه بالحياة الإنسانية. وفي رأي الدكتور أحمد علي محمد أن إحساس أبي الطيب بخطورة عامل الزمن بلغ حدا جعله يصوره طاغيا وذلك في مراثيه على الأقل. وهذا الإحساس قمع في نفسه الشعور بالتفوق. فانحسرت في مراثيه فكرة الأنا التي تضخمت في بقية أغراضه الشعرية. وليس هذا فحسب وإنما تعاظم قلقه بإزاء حركة الزمن. وربما قاده هذا الإحساس إلى تجسيد أداة الموت التي هي الزمان، فلم ير فيه سوى ضرب من القتل:
إذا ما تأملت الزمان وصرفه
تيقنت أن الموت ضرب من القتل
ويضيف الباحث في معرض تحليل إشكالية الزمان والمكان عند المتنبي بخاصة والشعراء المغتربين بعامة قائلا: إن فكرة الزمان ترتبط عند أبي الطيب بفكرة الموت، وفي حين تبتعد تفصيلات المكان، فالموت ناجم من فكرة الحركة التي يولدها الزمان. ومن الطبيعي أن يتجاوز هو وأمثاله من الشعراء الوسط المكاني الذي يتحرك فيه عنصر الزمن لمحدودية المكان في نظرهم أولا، ولخضوعه لأثر الزمن ثانيا. فالمكان يناله التلف مثلما ينال الإنسان. لهذا تغدو النظرة إلى المكان ممتزجة بالتعاطف وذلك لوحدة المصير، بينما تكون النظرة إلى الزمان عدائية لأنه الفعل الذي يولّد السكون والعدم.
ولا نكاد نجد شاعر عربيا ولا سيما في تراثنا القديم عالج موضوع الاغتراب الوجودي غير أبي العلاء المعري. ولا سيما في مرثيته المشهورة لفقيه حنفي. فالمفكرون والفلاسفة هم الذين انفردوا بهذه الرؤية. وأبرزهم أبو حيان التوحيدي فهو القائل في رسالة من كتابه (الإشارات الإلهية والأنفاس الروحية):
(أغرب الغرباء من صار غريبا في وطنه، وأبعد البعداء من كان بعيدا في محل قربه، لأن غاية المجهود أن يسلو عن الموجود ويغمض عن المشهود ويقصى عن المعهود).
الاغتراب في الشعر الحديث
اقترن شعر الغربة في الأدب الحديث بالعزف على وتر الحنين إلى الوطن البعيد والتغني بملاعب الطفولة والصبا وبجمال هذا الوطن، والعيش بين الأهل والخلان وحرقة الشوق إليهم، دون اختلاف في ذلك بين الشاعر القديم والشاعر الحديث إلا في الأسلوب التعبير واختلاف المكان والزمان. ويقترن الحنين بالإحساس بالظلم والقهر لدى الشعراء الذين لاقوا مرارة المنفى، وعلى رأسهم البارودي رائد مدرسة الإحياء، إذ يتفوق على نفسه بأشعاره التي صاغها من وحي تجربته المريرة حين نفاه المستعمر الإنجليزي وعميله الخديوي توفيق ورفقاءه الذين قادوا الجيش المصري المؤيّد بالشعب في ثورته بزعامة البطل أحمد عرابي. وكانت عقوبتهم النفي إلى سرنديب (جزيرة سرنديب – سري لانكا الآن). وقد فجرت هذه المحنة ينابيع الشعر الصافي في أعماق البارودي، وكانت تلك الينابيع نقطة غنتقال حاسمة من النظم التقليدي إلى الإبداع الذي تتوافر فيه شروط الشعر وأولها الجوهر الإنساني والصدق النفسي والصدق الفني. وأجج الشعور بالإغتراب الإحساس بالظلم واللوعة التي أثارها في قلبه فقد أحبته كما نرى في مرثيته لزوجته ومناجاته لابنته سميرة. وقد اختزل أحزانه في بيته المأثور:
عناء ويأس واشتياق وغربة
ألا شد ما ألقاه في الدهر من غبن
ولم تتدفق وتتوهج مشاعر شوقي ويرتفع مستوى إبداعه إلا بعد أن نفاه الإنجليز إلى الأندلس حين اشتعلت الحرب العالمية الأولى إذ كان من حاشية الخديوي عباس الثاني. هنالك أحس أول مرة بلهيب الحرمان من الوطن والحنين إلى عهد الصبا في ظلاله. واقترن الشعور بالغربة المكانية بالشكوى مما حاق به من ضيم عبر عنه في بيته المشهور:
أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس؟!
واستبد به عشق مصر حتى أنشد:
وطني لو شغلت بالخلد عنه
نازعتني إليه في الخلد نفسي
وهذا الإحساس الوطني والنبرة الإنسانية تسرّبا إلى مقاطع من مسرحياته التي كتبها في أخريات عمره، ولا سيما مسرحية (مصرع كليوباترا)، فكانت نضحا من معين غربته بالأندلس.
وتر الغربة في شعر أشرف أبو اليزيد
جرت مياه كثيرة تحت الجسور بعد امرئ القيس وعنترة والمتنبي وأبي فراس والبارودي وشوقي، واستمر شعراء المدارس والمذاهب المختلفة في مصر وسائر البلدان العربية يتخذون الغربة موضوعا لإنتاج من عاناها منهم، وغلب الاغتراب المكاني على الاغتراب في الوطن والاغتراب الوجودي. وكان السفر إلى بلاد النفط للعمل بها بعد أن أن تحققت فيها الوفرة واشتدت حاجتها إلى تطوير الحياة الاجتماعية والثقافية بها من طريق إتاحة فرص العمل للوافدين. فكان كثير من الأدباء في طليعة هؤلاء الوافدين من مختلف الأجيال بالنظر إلى ترديب الأحوال الثقافية في بلادهم، ومنهم من ضاقت به السلطة أو ضاق بها فهاجر مضطرا واتخذ هذا البلد العربي أو ذاك منفى اختياريا ، وربما كان الدافع هو الخوف من الزج به في عالم السدود والقيود. فرأى أن قيد الغربة وآلامها أهون من الفاقة أو من أشباح المطاردة والقمع.
وقد صدرت مجموعات شعرية في مصر منذ السبعينيات التي شاعت فيها ظاهرة الهجرة إلى الخارج كان موضوعها الأساسي هو تصوير محنة الاغتراب المكاني. وقد ضخت هذه المجموعات دما جديدا في عروق الشعر العربي الحديث والمعاصر. ومن هؤلاء الشعراء الطليعيين والذين يملكون أدوات الإبداع الشاعر أشرف أبو اليزيد في ديوانه (ذاكرة الصمت) الذي أصدرته دار الجديد في بيروت في مارس سنة 2000.
وتنطبق مقولة (الكتاب يعرف من عنوانه) على هذا الديوان، فالصمت كناية عن الإحساس بالاتراب ورمز للشعور بالفقد. كما أن هذا العنوان يوحي بطبيعة الفن الشعري عند مبدع الديوان، فهو شعر هامس أو مهموس إذا استعملنا مصطلح الدكتور محمد مندور.. شعر لا صخب فيه ولا جهارة، بل هو أشبه بأصداء ناي من بعيد، ومن ثم يصل روح المبدع بروح المتلقي، ويجد الثاني نفسه أو بعض جوانبها في الديوان. ويعد أشرف أبو اليزيد من القلة القليلة من شعراء الشباب التي تملك هذه الخاصية التي تتسم بالتناغم في الرؤية والتشكيل معا.كما يدلنا معجم مفرداته – إذا استعملنا المنهج الأسلوبي – على أن بؤرة الشعور عنده هي الغربة والحنين الذي تفجره، فالدلالات والدوال في شعره تنبع من معين هذا الشعور المركزي المهيمن على النصوص. فتكرار ألفاظ بعينها ليس مجانيا، بل هو يمثل تراكما وجدانيا وذهنيا (المدلول) كما يمثل نضحا اتخذ صيغا فنية معينة (الدوال) وانتثر في شكل إشارات توحي بالمضمون أو الموضوع وهو الاغتراب. وإلا فكيف نعلل هذا التكرار سواء كان عفويا أم قصديا وإن كان الأرجح أنه تلقائي.
ومن استقراء مفردات المعجم الشعري نتبين أكثرها شيوعا هي مفردة الغربة ومشتقاتها والألفاظ الأخرى التي تتصل بحقلها الدلالي ولا سيما الحزن والصمت والذكريات. فنرى كلمتي الصمت والذاكرة تشكلان عنوان الديوان كما تقدم وتتردد الأولى في قصيدة (مسائيات) وهي دُرَّة الديوان لما بلغته من ذروة إبداعية من حيث الرؤية وهي رحلة البحث عن الغائب وجدة الصياغة في التقنيات الفنية:
حين يعذبني صوت أغان ما
أرمي أذنيّ
خلف ضجيج الصمت
كي أسمع
نشرات الأخبار المكرورة
فالجد بين النقيضين: الصوت والصمت يخلع على النص مسحة سحرية تثير الدهشة وتفجر عذابات الروح الحيرى. ويتشح الصمت برداء الحزن المتغلغل في قلب الشاعر وهو يقص علينا طرفا من حياته اليومية والحالة الشعورية التي تتلبسه وتجعله سجينا لهذا الحزن الطاغي السرمدي كأنه داء عضال لا شفاء منه.
وفي المقطع الثالث من القصيدة إعادة صياغة لأسطورة مدينة طيبة ذات المائة باب على النحو الآتي:
أتوقف في وجه الأبواب الألف
بقصر الأحزان الساكن صدري
وأنا لا أملك
مفتاح الغرف الألف.
لقد أصبح العالم الخارجي في عيني الشاعر عبثيا لا معنى له، ولا مهرب من ضجيجه الذي يطوّقه عبر نشرات الأخبار المكرورة التي يبثها المذياع أو التلفزة إلا الارتماء في بحر الصمت المتمثل في النوم:
أربط حجر الصمت برأسي
أسقط في بحر النوم
كمرساة شقت صدر محيط
ونجد فعل السقوط مرة أخرى في المقطع الخامس وكأننا نستمع إلى معزوفة موسيقية شجية متعددة الحركات تسلمنا الواحدة دراميا إلى الأخرى، ولذلك يكثر استعمال فعل المضارع الدال على الحركة في هذا المقطع وسائر مقاطع القصيدة. ونلتقي أول مرة بلفظة الذاكرة الدالة على الارتداد إلى الماضي فرارا من الحاضر. ولكنها ذاكرة الموت لأن الماضي والحاضر سيان في الشقاء، فقد رحل الأحباب إلى غير عودة. ولا عزاء إلا في القلم والأوراق، فالشعر هو مرساة الموشك على الغرق:
تخرج من رأسي ذاكرة الموت
لتسقط في محبرتي
يتناثر من رحلوا في أوراقي
أحزانا
تذروها الريح حروفي
تلك الأوهام الرحل في صدري
لا تهدأ أو تهنأ
حتى يلقي قلبي مرساته
في صدر العتمة.
ويفاجئنا النص في المقطع الأخير بالحديث عن الطفلة ابنة الشاعر إذ يحكي لها قصة سيهدهدها بها حتى تنام. وهذه السمة الواقعية التي تجلت من قبل في المقطعين الثاني والخامس هي التي تميز الشعر المعاصر في نماذجه الجيدة عن الشعر الرومانسي وتهويماته، لذا تضفي على هذا الشعر ظلالا من الواقع الحي فتجعله قريبا من ذوق المتلقي ومتجاوبا مع المرحلة الحضارية التي يعيش فيها:
أحكي لابنتنا قصة قبل النوم
لكن الليل يداهمنا دوما
قبل لقاء أمير حكايتنا
بصاحبة حذا البلور
هكذا يوظف الشاعر أسطورة سندريلا توظيفا رهيفا راسما نقطة ضوء في ظلمات غربته وأشجانه واشباح وحدته، ولكنها لا تلبث أن تختفي ويظل هو عاجزا حتى عن الحلم، كما نتبين من مقطع الختام الشبيه بنهاية القصة القصيرة بعد أن روى لنا سيرته اليومية المكرورة:
أغلق نافذة الحلم
بوجه عرائس أحلام الأمس
لأبكي خلف ستائر نسياني
المخيّلة المائية
من الملامح الأسلوبية التي تسترعي نظر الناقد في تجربة أشرف أبو اليزيد الشعرية قدرته على استيحاء الطبيعة ولا سيما البحر في التعبير عن رؤيته وتشكيل صوره، فتتكرر في عباراته كلمات البحر والمرساة والمجذاف والموانىء والريح. ولعل هذه الظاهرة ترجع إلى نشأته في مدينة بنها التي تطل على النيل وإلى إقامته في عُمان التي تطلّ على المحيط الهندي، فضلا عن دلالة هذه المفردات على الرحيل وهو المعادل الموضوعي للغربة. ومن هنا يمكن القول أن مخيلة الشاعر مائية. يضاف إلى ذلك أن الترميز بالبحر يستدعي فعل الغرق ودلالته على السقوط في بئر الأحزان التي لا قاع لها. والنموذج الساطع لتلك الرؤية وهذه التقنية قصيدة (لير 94/96) التي يردد فيها الشاعر أيضا لفظتي الحزن والغربة، ويصور مأساة الضياع بعد فراقه الوطن وربما قبل هذا الفراق. فهو مثل كثير من الشباب لم يهاجر إلا بعد أن ضاق ببلده أو ضاق بلده به:
ها أنت ستغمد وجهك
في قلب البحر
مليئا بالحزن
تاهت مركبتك
بين أخاديد الغربة
ويداك الناحلتان اكتوتا
فوق المجداف الخشبي
تلك الأشرعة الملأى
بثقوب رصاصات القناصة
تتسع وتتسع
تركلك موانىء كل الدنيا
وأنا أنتظرك
في قاع البحر
وفي قصيدة (نهر) يزاوج الشاعر بين النهر والبحر، ويبدع صورة حانية للثاني. والشاعر في هذه القصيدة يتقمص النهر، ومن ثم يصفه بأنه متعب بللدلالة على طول الرحلة ومشقتها:
لا يختار النهر العابر
بين ذراعي الوادي
أصحابا
بل يمضي .. يمضي
حتى يأتي البحر فيغسل
قدميه المتعبتين
ويتكرر ذكر البحر في قصيدة (جمر الأسئلة) وهي مزيج من شعر التفعيلة وقصيدة النثر رغم طواعية النوع الأول للشاعر، على خلاف في ذلك مع الشعراء الذين تحولوا من قصيدة التفعيلة إلى قصيدة النثر بعد أن نضبت ينابيعهم النغمية:
هل ينشق البحر
بغصن أخضر؟
…
سبعون بحرا من الأحزان
في دمنا تسافر
سبعون بحرا ولا يابسة
ومن المخيلة المائية أيضا صاغ أشرف أبو اليزيد قصيدته (أمنية ورقية) وهي من عيون شعره لرؤيتها الآسرة بصدقها وعمقها وشفافيتها وإيقاعها الهادىء كأنها نسجت من خيوط ليلة ساجية قمراء، وهي تتسم أيضا مثل كثير من نصوص الديوان بروعة الختام الدال دائما على الشجن العميق:
كم أتمنى
لو تحتفن يداي النهر
ليفيض جداول وينابيع
ما بين النهدين إلى الفردوس
ونعد مراكبنا الورقية
تحملنا
من جسد الضفة للأخرى
ونغوص لنبحث عن لؤلؤة منسية
حتى نصعد طلبا للراحة
فوق جزائر ربانية.
ويسلمنا هذا النغم المنساب إلى الموجة الأخيرة التي تعبر عن الإحساس بالفقد ولوعة ذكرى الحلم الضائع بالفردوس:
لكن الآن
يكفي أن نحتفن قليلا
من أمل
نملأ به
ما يتبقى من كفينا
ولولا (طلبا للراحة) التي تشوب النص بتقريريتها لكانت هذه القصيدة نموذجا للوعي الجمالي والنسيج اللغوي المحكم والحداثة بمفهومها الصحيح.
النصوص الومضية
يبلغ الشاعر أشرف أبو اليزيد مستوى رفيعا من الإبداع في بعض قصائده القصيرة التي تتسم بالتكثيف في التركيب والصورة والمعنى. وهي تشبه أحيانا شعر الهايكو والتانكا في اليابان. كما يشيع هذا النمط في أسبانيا حتى أن المغنية تكتب النص الذي تشدو به على أناملها. ويسمي بعض الباحثين المقطوعات الشعرية المكثفة (أبيجراما) وهي كلمة لاتينية أول من استعملها الدكتور طه حسين. وقد يتكون النص من بضع كلمات ولكنه يمثل عالما وجدانيا كاملا. إذ يكتفي المبدع بالإشارة أو اللمحة الموحية ليوجز رؤيته. ويطلق بعض النقاد على هذه التقنية الفنية (بلاغة المسكوت عنه) إذ يتيح للمتلقي إضافة انطباعاته الشعورية والفكرية إلى النص المكثف مثل الومضة أو قطرة الماء. ومن نماذج المقطوعات البرقية في ديوان (ذاكرة الصمت) المقطوعة الآتية وهي من الشعر المنثور التي يطلق عليه قصيدة النثر:
الفاكهة على شجرة دارك
وامرأة في الشرفة
الغيمة فوق حديقتك
والنخلات تقبلها
وعن الشعور بالعدمية وتعاسة المصير ولعبة القدر بالبشر إذ تكر الأيام والليالي وينسخ كل زمن الآخر في دورة الفلك ينشدنا أشرف أبو اليزيد المقطوعة القصيرة التالية:
بمنجل من الذكريات
أحصد السنين كل يوم
لتعبث بها ريح النسيان
فتذرو كل شيء
فالطباق أو التضاد من الخصائص الأسلوبية في هذا الديوان: (الذكريات والنسيان – الحصاد والريح – أحصد فتعبث وتذرو) . ومن هذه الخصائص أيضا استعمال مفردات المسرح واستلهاماتها كما نجد في قصيدة (سهرة كل ليلة) مما يتفق مع نزعة الشاعر التراجيدية:
نتبادل كل مساء
أطراف هزائمنا
نتجرد منها
- مثل فتاة المسرح –
- جزءا جزءا
- نتفرق في صمت
- كي نستكمل
- أحلام الأمس.
وهو يستعير من أدوات المسرح لفظ الأقنعة في مطلع قصيدته (مسائيات) التي وردت فيها كلمة حزن ومشتقاتها ثلاث مرات وكلمة الصمت مرتين. كما ذكر أعضاء الجسم عدة مرات (وجه – أذني – رأسي – صدري – قلب) وقد تكررت الكلمة الأخيرة ثلاث مرات:
أبحث بين ركام الأقنعة المهلك
عن وجه لم يستهلك
كي أخفي – حين أقابلكم –
حزنا يغرق قارة قلبي
ومن القصائد التي استعار فيها مفردات المسرح قصيدة (تمثيلية):
عمرٌ بل أكثر
وأنا أصعد نفس المسرح
في دور يتكرر
أبكي والأبطال جميعا
الأصغر والأكبر
يشتركون بذبحي
والجمهور يصفر
لا أحد يسدل استارا
أو حتى يفكر.
وكذلك قصيدة (مسلسل) إذ ختمها بقوله:
الحبكة لا تغري أحدا
والنص ضعيف
والجمهور ينام
وأنت تريد البطولة!!
ويؤخذ على الشاعر استخدام كلمة الإنجليزية عنوان لإحدى القصائد بديلا لكلمة غرباء دون ضرورة أو مبرر. ولكنه يوفق في اقتباس العبارة العربية (الرجال الجوف) في نفس القصيدة نقلا عن عنوان قصيدة ت.س. إليوت الشهيرة (الرجال الجوف والأرض الخراب). كما وفق في استعمال عبارة قرآنية في قصيدته (خبز) وهي الآية الكريمة : (تلك الأيام نداولها بين الناس).
ما أفجع تلك الأيام
تداول أحزان الدنيا بين جوانحنا
مهما بللنا خبز الغربة
في شاي النوستالجيا
يزداد يبوسا.
وعلى الرغم من أن كلمة نوستالجيا ترجمتها حنين فقد آثر الشاعر استخدامها دون الكلمة العربية، ولا غضاضة في ذلك فإن اللفظة الأجنبية مستعملة لدى الباحثين.
وتتفاوت النصوص التي صيغت في قالب قصيدة النثر في مستواها الفني، وكان أجدر بالشاعر أن يتخير للنشر أجود ما كتب. ومع ذلك فإن الشاعر يحكم عليه بجيِّده لا رديئه، والنصوص الإبداعية في الديوان أكثر من تلك التي شابتها النثرية والمباشرة، وأفضلها ما كتب في قالب شعر التفعيلة لتميزه بالسمة الغنائية التي تجمع بين جماليات الإيقاع الخارجي وهو الوزن والإيقاع الداخلي. والقصائد في جملتها تشي بموهبة شعرية غنية وواعدة بالمزيد من الإبداع مضمونا وشكلا.
إحساس بالاغتراب
كتبت الشاعرة غالية خوجة:
بعد مجموعتي (وشوشة البحر)، و(الأصداف)، تصدر المجموعة الثالثة للشاعر أشرف أبو اليزيد بعنوان: (ذاكرة الصمت):
ملقى في مدينة الزوال
تبحث عن الموت
بدون خارطة
ولا تجده.. (ص77)
أي موت هذا الذي يفوق الموت، ويتعادل مع ذاكرة الصمت؟
ثم أي صمت غريب يتجول في قصائد المجموعة؟ وهل في النصوص سيجد الصمت ذاكرته المنشطرة إلى ذاكرات مكانية ونفسية وجُملية؟
وبأية فنية شعرية ينتسل الصمت من ذاكرته متجولا بين حواس الشاعر وحواس صوره التي تنوعت بين البوح والابتعاد عنه، بين اليومي المشوش للحياة وبين اغترابات الحياة في الموت واغترابات الموت في الحياة؟
دمنا المتخثر فوق الجرح يجفّ
تنثره الريح الغضبى
كي يفسح موضعه للجرح القادم.
دمنا المتناثر فوق الطرق الرملية
يتشربه الصبار
فينمو أشواكا
تتأهب لتصيد نباتا بريا.
قصيدة (جرح) ص (14).
هذا الجرح، هل هو علامة تشتت وبعثرة؟ أم سيمياء لموت ينبعث من الراهن ليمتد إلى الوراء من خلال ذاكرة الشاعر ووطنه؟ أم ليستمر كمضارع لا يعرف الماضي ويتنكر لكل الأزمنة ما عدا زمنية الجرح الممتدة إلى المستقبل؟
ربما كان جرح أشرف أبو اليزيد يعانق هذه الدلالات المترامزة، إضافة إلى هجسه المغترب الذي يظهر في قصائد المجموعة بهيئات مختلفة، قاسمها المشترك (لون الجرح) الذي غدا بلون آخر، أو بلا لون، أو كان هو بحد ذاته الصمت (الناطق) بسواد العالم المعاصر وبأشجاره البلاستيكية المسبقة الصنع.. حيث ذاكرة البلاد العربية تفتقد الحركة: (النار)، وتقبع في هاوية اللحظة، جامدة، باردة الصمت، حتى أنها لا تجرب إشعال تلك (الذاكرة) – الحضارة الغابرة، أو لحظة الإشراق الماضية.
بإمكاننا قراءة المجموعة تبعا لثلاث مسارات انبنت عليها القصائد:
(1) مسار التباوح:
أغلب نصوص هذه المجموعة تدرجت بالتباوح عبر مقامات الحزن المبتدئة بالبساطة لتبوح باليومي وهوامشه، متتابعة ضمن إيقاع خافت يتصاعد من الذاتي إلى العام. مثلا، العناوين: (سهرة كل ليلة/ مسائيات/ خبز/ لير 94-96/ مسلسل/ حب/ شرفة/ كرة/ طيبة/ سجن/ منفى/ ..)
برز في هذه القصائد نشيد الحنين/ النوستالجيا بشكلين:
(1) مباشر، فلم تبتعد القصيدة عن أكثر من دوالها ودوال الحنين، معتمدة في حركيتها على تراجعات الزمن وحالته المختطفة من الذات إلى الآن، ومن الآن إلى الماضي.. ومباشرية الحنين لا تعني بالضرورة مباشرة المكتوب، كونه اعتمد على حركة لاقطة للحالة، فصورتها بأبعاد وصفية لا بكلمات وصفية، مثلا، قصيدة (حب):
لما زرت مدرستي القديمة،
ودخلت صالة الدرس القديمة،
كان الولد الجالس فوق مقعدي القديم
لا يشبهني
-أبدا-
إلا أني أحببته (ص22).
(2) غير مباشر، بحيث يتآلف الحنين مع عبثية الأشياء، والأمكنة، واللحظتين (الجوانية) والخارجية المسقطة من النص على بوحه، ومن بوح النص على اللحظة الدائمة في الاغتراب، نمثل لذلك بقصيدة: (أشجار):
أشجار الكانون الأول
كمغنية صلعاء
تشدو لحن الغربة
والأوراق،
الريح الغضبى تنثرها (ص 26).
بارتكز على التشبيه (أشجار الكانون الأول) استطاع الشاعر أن يوسع ترانيم اللحن المتناثرة بين الزمن (كانون الأول)، وبين زمنية النص وحنينه (الريح/ الأوراق)، وعن طريق هذا الارتكاز، انحرفت البنية الدالية من حضورها المباشر، إلى كثافة النوستالجيا الداخلية.
(2) مسار التكاشف:
يتنازل الإيقاع المتباوح عن استبداده ليتحول إلى إيقاع أكثر فنية، وذلك حينما يوسع النص الشعري مدلولاته عن طريق تكثيفه لحواس الدلالات وشحنها بطاقة كاشفة عن الواقع. الواقع كزمنية حادثة في كل واقع، أي ليس كراهنية فقط.. ويتمظهر الانكشاف بكثافة ناتجة عن شعرية وامضة تمحورت حول حدث شعري انسرد بزمنية متلاحقة، تقاطعت أبعادها في مكانية القصيدة، وهذا ما أنجزته عدة قصائد، نذكر منها (تمثيلية/ عتمة/ وطن/ بنها/ حافلات/ سبعة أيام/ ..)
حين مزق بكارة الليل صوتي
مرقت شمس من بين أصابعنا
ترسم لي ظلا
لأطارده
ويطاردني
ويطول ويقصر
ثم يطول
حتى اغتالتنا العتمة (ص18).
تتفاعل حواس الإضاءة مع حواس الإعتام في هذه القصيدة التي تستمد شعريتها من مفارقات البنيتين (السطحية/ العمقى) المجسدة بـ (صوتي) كمعادل واضح لـ (الشمس)، وبين مفردات الظلمة كطرف ثان لمعادلة حركة الإيقاع والكثافة (الليل/ الظل/ العتمة). وتتم حركة الانتقال بين الطرفين عن طريق الفعل الراغب بالتحرر من (الظلمة) إلى الطاقة النقيضة: (مزق)، وأيضا من خلال فعل الاستمرار (المطاردة)، الذي يؤدي هنا إلى نتيجة عبثية، حيث اللا جدوى (حتى اغتالتنا العتمة) كما أحد أطراف النور (الشمس) قد ساهم في إنشاء المرادف الظلالي (ترسم لي ظلا). يتمادى السواد في الحلول، ويهرب المناقض دون رجعة ليثبت تسارع الأثر الزمني (العمر/ اللحظة/الحياة/..) التسارع المتجه نحو الانطفاء.
ويتفاعل هذا الانطفاء مع المعطيات الذاتية والموضوعية في قصيدة (ذاكرة الصمت) الواشمة للمجموعة. تنهض تقاسيم القصيدة على ثيمات ثلاثية: المشهدية/ السردية/ توالدات الحدثية الشعرية.
داخل هذا الفضاء، حققت القصيدة مجالها الشعري العاكس لأوضاع إنسان عصرنا بكل مستوياتها، حيث الحاضر دوامة مخادعة، والحلم تائه وهارب حتى التلاشي.
تلمع إيقاعية بعض الصور لتشكل بؤرة التوتر الفاصلة بين الإنسيابية المتآفقة وبعده، ولولا هذا التوامض المنحرف عن نفسه، لما وصلت شعرية النص إلى متقاطعاتها البنيوية المتجادلة في (أنا) الشاعر كـ (أَنَوين) تتخاطبان ضمن متوالية حضور إحدى الأنوين وستتار ثانيتهما، ثم حضور الأنا المستترة لتتبادل ظلال الوقع الداخلي المتناوب لحركتين في الظهور:
1- حركة الخارجي المتصير كداخلي:
الطير المارق
فوق سياج الجارة
لا يشدو لك.
الرجل الواقف
في النافذة أمامك
لا يضحك لك.
الأنثى العابرة هناك
لا تنظر لك.
القطة ليست تكترث
بالفئران.
والصبح القادم
لا يحمل لك
إلا ورق الأخبار المرة،
وطعم البن المر.
2- حركة الداخلي الممتدة من عام النكبة (1948)، وحتى النكبة النفسية العابرة لكل الأزمنة:
تتمنى نارا كعصا موسى
تلقف نهر الصمت
ونهر النكبة
نهر مرارات الأخبار
ونهر الأحلام الميتة
من يمنحك النار القدسية؟
مدن الدنيا تصخب كل صباح
إلا هذي البلدة
لم تستيقظ أبدا.
تتكور الحركتان في فضاء الصور، معيدة إلى تفاصيلها الميتة المرموز لها بـ (الصمت) شيئا من تلك الحركة المتمركزة في (النار) كرمز موروث (عصا موسى) وكرمز متناغم مع مفقوداته (الصبح/ اليقظة/ التفاعل والفاعلية). وهذه التقاطبية تنتج فاعلية للجمود والنوم، ماحية رموز الإشراق المجسدة لفظا، المحذوفة من ناحية البنية المدلولية، لدرجة أن (الصبح) تحول إلى (عتمة) أبدية وأزلية تصلح لكل الأزمنة والأمكنة:
هذا صبح كالعملة
مجهول المعدن
مسحوا وجهيه
ليصلح في كل زمان ومكان.
وتأكيدا على تواصل (الموت) حتى في (الصمت) و(الذاكرة)، فإن تكويرية التفاصيل الصغيرة والكبيرة، الجوانية والبرانية، تتلاحم مع حركة التكوير لبنية القصيدة ككل التي تبدأ من حيث تنتهي، وتنتهي من حيث تبدأ، جاعلة من نفسها، ذاكرة للعتمة المزدوجة (الليل – بكل معانية السلبية) و(الصبح المفقود والضائع والمتحول إلى ليل آخر) وذلك من خلال شبكة العلائق القائمة بين العناصر التالية (رأس تحترق/ رماد حكايتهم/ الصمت المشتعل كجرس في مخيلة الشاعر):
(1) مقدمة القصيدة:
ليس يذكّرك
برفاق الليلة
إلا رأس تحترق
برماد حكايتهم
تلك المحشوة بالصمت (ص31)
بعد هذه المشهدية المتحركة بين الاحتراق والرماد والصمت والحكايات والذاكرة، يبسط الصمت كلامه على جسد النص وتحت كلماته تاركا التفاصيل تشير إلى الشمولي كوضع دائم ومستمر لا يستقر في الحياة ولا يستقر في الموت.
(2) خاتمة القصيدة:
جرس
يشعل هذا الليل بصمت حكايتهم
قد أرمي رأسي خارج باب
أغلقه دونهم (ص 38)
ينغلق الصمت على مرادفاته وتناميه مخلّفا في حواس القصيدة والقاريء رنينا أسود لا يدخل إلى الكفن ولا يخرج إلى الحياة.. كأنما ما قالته القصيدة ومالم تقله، اندغم معها ليكون برزخا يتأرجح بين عدميات كثيرة تحاول الانوجاد في الوجود وفي أشباهه الراغبة بالحضور عن طريق (صبح) ربّاني حقيق لا تتدخل فيه لا أمريكا ولا العتمة.
(3) المسار السيناريوهاتي:
تتراءى في المجموعة قصائد سينمائية ترتكز على
